المجاز لا يعارض الحقيقة؛ بل ثبوت المجاز بإرادة المتكلم؛ لا بصيغة الكلام، وهي إرادة ناقلة للكلام عن حقيقته، فما لم يظهر الناقل بدليله يثبت حكم الكلام مقطوعًا به بمنزلة النص المطلق يوجب الحكم قطعًا وإن احتمل التغيير بشرط تعلقه به أو قيد بقيده؛ ولكن ذلك ناقل للكلام عن حقيقته، فما لم يظهر كان حكم الكلام ثابتا قطعًا، بخلاف النص في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن النص يوجب الحكم، فأما بقاء الحكم ليس من موجبات النص ولكن ما ثبت؛ فالأصل فيه البقاء حتى يظهر الدليل المزيل، فكان بقاؤه لنوع من استصحاب الحال [1] وعدم الناسخ، وهذا المعدوم غير مقطوع به؛ فلهذا لا يكون بقاء الحكم مقطوعًا به في ذلك الوقت؛ حتى إن بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما انقطع احتمال النسخ كان الحكم الذي لم يظهر ناسخه باقيًا قطعًا" [2] ."
علم أصول الفقه بحرٌ زاخرٌ يغوص في أعماقه كل عالم بحسب طاقته، وكان لعدد من علماء الأصول آراء جديدة استدركوا فيها على من سبقهم؛ وذلك بسبب اطلاعهم الواسع، واجتهادهم المستمر، واعتمادهم على التحليل العلمي الدقيق الذي كان نتيجته إثراء علم الأصول؛ ومن أمثال هؤلاء:
أولًا: أبو الحسين البصري المعتزلي، فكان يخالف شيخه القاضي
(1) الاستصحاب لغة: استفعال من الصُّحبة؛ وهي: الملازمة. يُنظر: الصحاح (ص: 580) ؛ القاموس المحيط (ص: 104) مادة: (صحب) .
وفي الاصطلاح: استدامة إثبات ما كان ثابتًا، أو نفي ما كان منفيًا.
وله صور متعددة ذكر علماء الأصول أحكامها، وحرروا فيها محل الوفاق والنزاع.
يُنظر: أصول السرخسي (2/ 223) ؛ قواطع الأدلة (3/ 367) ؛ شرح مختصر الروضة (3/ 147) ؛ تقريب الوصول (ص: 391) ؛ البحر المحيط (6/ 20) ؛ بديع النظام (2/ 611) .
(2) أصول السرخسي (1/ 138) .