فهرس الكتاب
لا شك أن الله سبحانه وتعالى يعلم كل شيء، وقدر كل شيء قال تعالى: { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ } [ سورة القمر: آية 49 ] ، وهو يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويعلم ما العباد عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلاً وأبدًا، ولكنه سبحانه وتعالى لا يعذب العباد بمقتضى العلم والقدر، فلا يعذبهم لأنه يعلم أنهم يعملون كذا أو لأنه قدر عليهم كذا وكذا، ولكنه يعذبهم بأعمالهم التي اكتسبوها باختيارهم وقدرتهم كما قال تعالى: { لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } [ سورة البقرة: آية 286 ] . وقال تعالى: { وَلا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [ سورة يس: آية 54 ] .
والله سبحانه وتعالى قد أقام الحجة على خلقه بإرسال الرسل قال تعالى: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً } [ سورة الإسراء: آية 15 ] ، وبإنزال الكتب، وببيان طريق الخير من طريق الشر، وبإعطاء العباد قدرة واختيارًا بها يعملون ويختارون، فهو يعذبهم بمقتضى ذلك، ولا يعذبهم بمجرد علمه أنهم يعملون هذه الأعمال، وإنما يعذبهم إذا عملوها ووقعت منهم فعلاً فظهرت منهم واكتسبوها، وهو سبحانه وتعالى حكم عدل لا يظلم أحدًا، وإنما يجازي العبد بأفعاله وأعماله ونياته ومقاصده التي قدمها لنفسه: { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ } [ سورة فصلت: آية 46 ] .