فهرس الكتاب

الصفحة 202 من 448

أبدأ بهذا السؤال وأرجو أن لا يغضب أحد إن فات سؤاله من الجواب لكني سأحاول -إن شاء الله- الإجابة على الأسئلة المهمة الكبيرة التي لا يعدم المرء فائدة بسماع ما فيها من أجوبة.

السؤال الأول: المكتوب عندي هنا بحسب الورقة"العمل بفتوى المالكية في قتال الزنادقة تحت راية الخوارج، هل هذا ينطبق على الدولة البغدادية اليوم؟"

الجواب: بأن الناس محكومون في النوازل والفتاوى بالوقائع ويقدرون -هذا هو جوابي- ويقدرون الحاضر تقديرًا زائدًا أعظم من تقديرهم للغائب وأنا دائمًا -ولي هذه التجربة بحسب هذا الأمر الذي عشته- لو جلست مع رجل يشكو ألمًا في أسنانه فإنه سيقول أنا لا أعرف ألمًا في الدنيا أعظم من ألم الأسنان، فهو يشكو من سنه ويجعل كل الآلام التي تقابل ألم السن أقل مرتبة من ألم سنه، ويأتي رجل آخر يشكو من ألم ظهره فيقول إن أعظم الآلام تتلاشى أمام آلام الظهر والعظام وهكذا من يشكو شيئًا في بطنه وهكذا.

فالمرء لضعفه كما وصفه الله -عز وجل- ابن لحظته، الإنسان إذا مسه الشر كان يأوسًا، الإنسان ابن لحظته والإنسان يحكم على الأمور من خلال ما يراه فإذا جاءه الزنادقة -انتبهوا- إذا جاءه الزنادقة وحكموه فإنه يرى إن أعظم شيء أصيب به الإسلام هو حكم الزنادقة، وإذا جاءه الخوارج فحكموه وأعملوا في أمتنا السيف قال إن أعظم الشرور الواقعة هي شرور الخوارج وإذا جاء المرتدون قال إن أعظم ما يحدثه في الأمة هم المرتدون وهكذا.

والمسلم له تقديران بالنسبة إلى المصالح والمفاسد وما هي مراتب المصالح والمفاسد، الترتيب الأول هو ترتيب الشرع له، والترتيب الثاني هو ترتيب الواقع له، والأول هو الذي ينبغي أن نعمله، ومراعاة الثاني والذي يسميه علماء الأصول بوجوب معرفة المآلات، والمآلات هي الواقع والنص هو الشرع، فيجب على الفقيه أن يعمل النص مع إعماله للمآل، وهذا الأمر هو أمر كبار العلماء والفقهاء كما يذكر عنهم الإمام الشاطبي -رحمه الله- في (الموافقات) وهي طريقة النظر إلى المآلات وعدم إغفالها؛ لإنها واقع محكوم بسنة الله في الوجود، وسنة الله القدرية في الوجود سابقة عن سنة الله الشرعية في الوجود بل إن أهل الحق من الصحابة فمن بعدهم يعلمون السنن التشريعية أنها الحق من خلال عرضها على سنن الوجود الفطرية، فالسنن القدرية أيها الإخوة الأحبة واجبة النظر لا من أجل أنها حظ للنفس ولكن من أجل أنها من وضع الإله -سبحانه وتعالى- هو الذي وضعها السنن القدرية هي وضع إلهي، فمن لم يراعيه لم يراعي حكمة الله في الوجود، كما أن النص هو وضع إلهي كما فسروا الدين كما تعلمون بأن الدين وضع إلهي يجب مرعاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت