وذكره أبو عمر بن عبد البر -وهما الإمامان الجليلان-، وهو أن الإجماع منعقد أن الفقيه لا يكون كذلك حتى يعرف الخلاف، لا يكون المرء فقيهًا حتى يعرف الخلاف، لأنه إذا كان عالمًا فقط لقولٍ؛ فإنه لا يصل إلى الحق ولا يجتهد، وربما يكون ما غاب عنه من الأقوال الأخرى هي الحق، هذا واحد.
إذن يجب على الفقيه أن يعرف الخلاف، وإلا لا يفتي، إذا كان لا يعرف في المسألة إلا قولًا واحدًا فلا يجيب إلا إن تعين عليه السؤال والإجابة؛ ولكن يرسل لأهل العلم الذين يخبروه. الآن كتب العلم منتشرة، لا يقول أحد: هو في بلدة لا يعرف، الآن الكتب منتشرة والمسائل معروفة وينبغي أن ينظر فيها وأن يعرف الدليل.
لكن أنا أنبه على بعض النقاط التي أرادها السائل وهو مصيب فيها:
وهي أنه لو جاءه عامي، والعامي يعرف من نظره ومن سؤاله أنه يريد التخفف من الحكم، وأنه إذا أُخبر بوجود قول آخر اتخذه، ما دام العلماء اختلفوا فإذن يمكن أن أعتبر أن كل قول صحيح -كما يفتي المشايخ اليوم، وهم المصوبة-، وهو أساس ما يفتي به الذين يقولون بالتيسير اليوم. وأصل مذهب أصحاب التيسير أنهم من المصوبة، يعني أنهم يقولون أن كل قول صحيح؛ فبالتالي ما دام أن كل قول صحيح فيجوز أن نختار الأسهل، وقال علماؤنا أن قول المصوبة -كما قال ابن تيمية- هو أساس الزندقة، لأنه يجعل كل قول منسوب لدين الله أنه هو دين الله الحق الذي يجوز للمرء أن يفتي به على ما يريد.
يعني لو جاء هذا الفقيه من المصوبة، جاءته مسألة فنظر فيها فوجد ستة عشر قولا -كما في الذهب والزكاة فيه-، فهو يختار ما يريد: اليوم يختار هذا، ويختار هذا غدا، وإذا دفع له السائل دينارا أفتى له بالتشدد، وإذا دفع أكثر يفتي له بالتخفف، وهكذا. هذه زندقة، وكما قال شيخ الإسلام: هذا أساس الزندقة، وهو القول بتصويب الآراء: أن"كل مجتهد مصيب"كما يقولون.
فالفقيه ينبغي أن ينظر وأن يكون عالمًا بالسائل، إذا كان السائل من هذا النوع الذي يريد أن يعرف ما هي الأقوال ليختار منها ويشتهي؛ فلا يخبره إلا بالقول الصحيح الذي يدين لله -عز وجل- به وعليه الدليل في نفسه، فهذاك يتلاعب، ونراه يقول: لكن يا شيخ، في المسألة خلاف. يقول: دعك من الخلاف، لا تتلاعب، هذا الذي عليه الدليل وامض إلى شأنك!
طبعًا هو قد يأخذ هذا القول وقد يبحث عن فقيه آخر يدله على قول آخر على طريقة الخلاف والتيسير وما شابه ذلك.
القصد أن"في المسألة خلاف"، يجب أن تذكر في مسائل العلم. فمثلًا؛ الشيخ المدرس للمتون ولكلام أهل العلم وللفقه ينبغي أن يذكر المسألة وما فيها من خلاف إذا كان أمام طلبة العلم