فهرس الكتاب

الصفحة 253 من 448

والصور والعلامات في خطورة ما تؤدي أو تلزم به الأقوال الغالية، أو أقوال المرجئة في الجهة الأخرى، أن يقفوا ويرتدعوا، أتكلم عن العلماء.

فهذه دعوة ولا أرى لها أي أثر واقعي إلا في بعض الجوانب، ولكن على الجملة في قضية التعامل فيما أنتم فيه:

كلكم -سواء كان من يكفرهم بالعين، أو من يحكم عليهم بالطائفة مع التوقف عن الحكم على كفر أعيانهم إلا بعد إقامة الحجة وتبين الحال ودراسة كل حالة على حدة-، كلكم على اتفاق تام بأنكم حتى لو كانوا مرتدين، فإنكم بحاجة إلى اجتناب شرهم، والله يقول: {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} ، وأن تجتنبوا شرهم بعدم إظهار العداوة لهم مع ما في قلوبكم، سواء كنتم من هؤلاء أو هؤلاء، فإن الواجب هو التعامل معهم بالحسنى، من أجل أن يرتد هذا التعامل معكم بالحسنى إلى تعامل كذلك بالحسنى من جهة مقابلة، هذه هي الحكمة، هذا العدل.

وأنا سجنت، ولم أجد في الحقيقة في بريطانيا مثل هذه الخصومات، ولكن لما جئت لهذه البلاد وجدت وبدأت أسمع عن هؤلاء، ووجدت أن أكثر الناس مخاتلةً في قضية حسن التعامل مع الحراس درءً لشرهم، هم الذين يرفعون أصواتهم في الحوار على تكفير أعيانهم.

الإخوة في غرفة فوقنا في السجن وضعوا رجلًا عاقلا وكبيرا في السن سُجن خمسة عشر عامًا، لا أريد أن أذكر اسمه يسمونه:"على الباب"، يعني هو الذي يفتح الباب، لأن الإخوة لا يتعاملون جماعيًا مع الشرطة في هذا السجن في الأردن، فيقف واحد على الباب يتعامل بينهم ويسمونه"مسؤول عن الباب"، فهذا رجل حكيم، حكم خمسة عشر عاما.

المهم جاء الصغار وبدؤوا يتهمونه بالمهادنة والمداهنة، وبدؤوا يصرخون، فالرجل انسحب بهدوء وتركهم، وكان الأخ يتعامل مع ناس كبار مسجونين من العقلاء معه، ويعرف كيفية التعامل، لكن جاء الصغار هؤلاء.

وأنا أدعوكم -وهو ليس من ألف كتاب قبل الممات-، اقرؤوا كتاب (الطريق الطويل إلى الحرية) لنيلسون مانديلا، اقرؤوه، ففيه منافع كثيرة وممتع، يعني إذا وجد الإنسان وقتًا يريد أن يرتاح يقرأه فيه، فهو كتاب سهل وفيه دعابات وفيه فوائد وفيه منافع. ومما ذكره نيلسون مانديلا في كتاب (الطريق الطويل للحرية) ، وهو سجن قرابة ثلاثين سنة، قال: في الطور الأخير من سجننا صار يأتينا شباب من الخارج يسجنون على تهمة المؤتمر الوطني لجنوب إفريقيا، فقال: لما يأتون إلينا؛ كانوا يعيبون علينا مهادتنا ومداهنتنا للشرطة والحراس، فيأتون ورؤوسهم صلبة، ويبدؤون بالمشاكل، لكن بعد ذلك تلين رؤوسهم.

إذن المشكلة واحدة، نحن نعاني من هؤلاء المنفلتين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت