فهرس الكتاب
الافتراء على الله كذبًا؛ هو يريد الحق علمه فافترى على الله كذبًا، أو أنه كذّب بآيات الله ولم يعرف الحق فيها، فإما أنه أنشأ باطلًا، وإما أنه أعرض عن حق.
قد يقول قائل: يمكن للمرء أن يجتهد في إصابة الحق فلا يصله؟ المقصود بالحق هنا أصل الدين. أو أن الرجل ممكن يأتيه الباطل فيشتبه عليه مع الحق. أو يمكن أن يقول قولًا يظن أنه الحق وليس كذلك، وهو يظن ذلك ويجتهد.
فالقرآن نفى ذلك في آية ورائها في سورة العنكبوت، نفى هذا تمامًا بعدها وقال: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} أي من جاهد في إصابة الحق مخلصًا لله سيصل إليه.
والحق في قضية أصل الدين لا يخفى على أحد، وليس هناك ثمة عذر بعد بلوغ الحجة إليه، والحجة تبلغ بمجرد البلوغ والسماع، (ما من يهودي ولا نصراني يسمع بي) الحديث، لكن هناك مسائل خفية. بعد هذه القضية الكلية تأتي مسائل خفية، فقد يختلف الناس، هذا يعلم منه ويتحدث وهذا يعلم منه ويتحدث.
وأنتم تعلمون أن المنافقين كانوا يعيشون بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبعضهم {لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} . هم عند الله كفار، والنبي يعاملهم معاملة المسلمين، وهم في باطنهم كفار، لأنه عاملهم بما يعلم. وهناك كفار يعلمهم النبي ولا يعلمهم الصحابة، وهذا بيِّن في تسميه حذيفة بحامل السر، وحديث عمر وهو صحيح كما رواه الفَسَوي في التاريخ بأنه سأل حذيفة أهو منافق أم لا؟ فكان حذيفة يعلمهم بإخبار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم، والصحابة يحكمون عليهم بالإسلام، والنبي يحكم عليهم بالكفر، وحذيفة يحكم عليهم بالكفر. لأن المقصود بالمنافق هنا كافر.
فالاختلاف حول شخصية من الشخصيات إما أن يكون بالسبب الأول وهو اختلاف المناهج. يعني قد يقول قائل: هو مسلم ولا أكفره، كما تفعل الآن طوائف. يعني الآن الذين لا يكفّرون الحاكمين بغير شريعة الرحمن بسبب قواعد علمية باطلة لديهم، كقولهم بأن كل عمل يتعلّق بالتحكيم مخالف لشرع الله هو كفر أصغر، ويأخذون حديث ابن عباس ويُنزلونه على هذا الوضع. وهذا طريقهم وهو خلاف منهجي، والمنهج هذا مبتدع. وقد يكون المنهج صحيحًا ولكن إنزاله على النوازل خطأ.