وسيقع هذا لا بد؛ يعني: نحن نرى صلاح الدين .. النبي صلى الله عليه وسلم حيد خصومًا, هناك ناس لم يقاتلهم، وهناك أناس كان يعتبرهم عيبته ونصيحته في جاهلية وإسلام، كما هو شأن بني خزاعة، فإنهم كانوا نصحه في جاهلية وإسلام، وهناك حالات ترك قتال قوم، بل كان يتمنى أن تعتزله قريش وألا تقاتله وقال: (( هلا خلوا بيني وبين الناس ) ). فكان يحاول تجنب قريش باعتبار القوة، ولكن هذه حكمة الله، وحكمة الله الجارية كانت خيرًا له صلى الله عليه وسلم، لأن القضاء على قريش أدى إلى القضاء على بقية القوى في الجزيرة؛ هذه حكمة الله, ولكن أتكلم عن رغبته في إجراء السياسة على وجه ما. فهذا يقع -لا بد- للحركة الإسلامية في وضعها الحالي, ونحن بهذا لم نخرج عن كوننا مسلمين وجزء من العالم الإسلامي وحركة الإسلام كله العامل لإعادة دين الله عز وجل؛ لا بد أن نضطر يومًا من أن نهادن هذه الطائفة، من أجل أن نفرغ لغيرها.
حين يصبح لنا هذا الكيان القوي، تصبح هناك ثمة فروق أكبر من كوننا أفرادًا؛ عندما يكون الرجل وحيدًا ليس عليه تكاليف الزوجة والولد، فإذا حدثت معه حادثة ينظر إلى مقدار ما يعود من الشر عليه فقط والخير له لا يهتم, بل ربما يذهب إلى الموت ولا يهتم، ولكن عندما يكون له عائلة تتغير حساباته؛ وهكذا الجماعات المجاهدة، فحين تكون وحيدة تقاتل وخفية فلها حساباتها لا تنظر إلى خلفها، لكن حين يصبح لها وجود ويصبح لها كيان، حينئذ تتغير الحسابات، يصبح ثمة ثقل ومهمات ومسؤولية تراعيها؛ فهذا السلوك في هذا السبيل ينبغي أن نضبطه بسياسة عظيمة, ينبغي أن نضبطه بمقدار قوتنا, لا يُضحك علينا، لا نعظم أكثر من قوتنا فنستعجل، ولا ندخل تحت طائفة أخرى على أمل أنهم أهل صدق .. حتى الحاكم المسلم بعد أن يغلب سيقضي عليك ويزيلك.
فالدخول في التحالفات، الدخول في الهدن، الدخول في تحييد الخصم، الدخول في تحالف جزئي بما لا يذيبك بالكلية، هذه ضرورة سيفرضها الواقع رغم أنوفنا؛ والذين يحاولون أن يجعلوا هذه الأفعال عند بعض الجماعات أنها مثالب تؤدي إلى