فهرس الكتاب

الصفحة 385 من 448

تجيب عن الواقع، لأنه -في الحقيقة- إن لم ندرك هذا لا نعرف الواقع- العجيب أن أئمتنا العظام الذين صنعوا العجائب في التاريخ، كانت عاقبتهم في أمر التدين خيرًا من أولهم، ومثال ذلك: عمر بن عبد العزيز, هذا عمر بن عبد العزيز رجل له تاريخه من المال والجاه والدنيا والمتع، ولكنه كان رجلًا في داخله صالحًا, في داخله رجل صالح، وانظروا إلى دخوله إلى المدينة، لما عين واليًا على المدينة من قبل الأمويين، جمع من سموا بعد ذلك بفقهاء المدينة -الفقهاء السبعة والعشرة- جمعهم وقال: لا آخذ قرارًا إلا بعد أن تقرروه أنتم؛ فيه دين، ويعرف السنة، وأرسل للعلماء أن يجمعوا له السنة، وقال كلمته وهو في المدينة قال كلمته أنني سأنشر السنة ووو إلخ، وهو مع دنياه وتلذذه بها، فلما وصل إلى موقف الخلافة في تلك اللحظة التاريخية القليلة لكنها ومضة عظيمة تسع, كأنها هي التاريخ, صار ذلك الزاهد العجيب في الدنيا, لحظاته الأخيرة.

صلاح الدين لو نظرنا إليه في ابتداء أمره، كما ننظر إلى رجل هو ابن قائد عسكري وخاله أسد الدين شيركوه من قواد نور الدين، وبرغم أنفه ساقه الله إلى مصر، وحاله كحال الشافعي لما قال: أُساق إلى مصر رغم أنفي فلا أدري يساق في إلى الغنى أم إلى قبري؛ هكذا الناس يسيرون على هذا المعنى، ولو تفكر كل واحد فينا على هذا المعنى لوجده في نفسه. فذهب إلى مصر مرغمًا مكرهًا، وبعد ذلك رأى الله فيه خيرًا يستحق أن يرفع، وفيه كذلك إنسانيته -وهو ليس خالٍ من الإنسانية-، ولما رأى مصر مع كراهيته لمجيئها رأى أنها تستحق أن يكون هو القائد دون غيره، وقتل العبيدين، واستقل استقلالًا فيه شبهة الخروج عن آل زنكي، وهكذا. بعد ذلك مات سيده تزوج زوجته من أجل ماذا؟ ماذا تظنون؟ لكن الله تعالى وضعه موضع الحق لما يعلم في نفسه من حب الحق، ولما ذكر عنه العلماء؛ ابن شداد لما وصف لنا صلاح الدين، يصف لنا عالمًا، تقيًا، عابدًا، زاهدًا، خائفًا من الله، مع إنسانيته التي نراها في تحركاته؛ فجرت تلك المقادير على يديه على هذا المعنى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت