الموت من أجل كلماتك التي ليس ورائها أي منفعة؛ وإن كان هذا له دليله، يعني: أنا أعجب وأقر بأن هذه مرتبة عظيمة، عندما قال: (( يبخلوني ولست بباخل ) ), علق ابن تيمية رحمه الله على هذا الحديث: أن الناس يسألونه صلى الله عليه وسلم المال لا يستحقونه، فقال: لو أعطيتهم لما اتهموني بالبخل ولو منعتهم من هذا المال لاتهموني بالبخل!! قال: لا, أعطيهم ما ليس حقهم ولا أتهم بالبخل؛ بمعنى: سأمشي معك إلى الموت على أن لا تتهمني بالجبن ولا بالبخل. لكن هذا -في الحقيقة- يمكن للمرء في نفسه، يمكن أن يسلك هذا السبيل، لكن عندما الأمر يتعلق بأمة فلا ينبغي, ينبغي أن يتعامل تعامل أبي بكر لما قيل له: أجعلت عمر الخليفة من بعدك وهو قاسي القلب؟! ألا تتقي الله؟!! فقال لهم: أبالله تخوفونني؛ يعني: لا تزاود علي في التقوى، لا تزاود علي في الشهادة، لا تزاود علي في الجبن والبخل، ولا تزاود علي في هذا -نتحدث الآن عن باب حكمة- لا تزاود علي في التوحيد، لا تزاود علي في هذه العبارات الكبيرة.
للأسف: عندما تسقط التراتبية، وعندما تأتي الفتن، يصبح الجاهل هو الأعلى صوتًا و الأكثر تجميعًا!! وأنت الحكيم تعلق برأسك الكلمات الكبرى؛ يعني: انظروا إلى حكمة الوليد بن المغيرة وإلى جهالة أبي جهل في بدر!! لو أنهم أخذوا برأي الوليد عندما قال: أتجيبونني؟ اقذفوا الجبن في عمامتي ولنرجع ولنترك, خلاص .. مضت القافلة، لا نزاود، فعلقوا الجبن علقوا هذا الأمر بي واتهمونني كما شئتم وارجعوا. جاء هذا السفيه أبو جهل -أتكلم عن جهة إنسانية، بغض النظر عن التوفيق الإلهي والمكر الإلهي بهم- فقال: لا؛ وحلف الأيمان لا نرجع حتى نأتي ماء بدر، ونرقص ونشرب الخمر وتتسامع بنا العرب؛ فالناس أطاعت السفيه، وكانت العاقبة أن ذبح هؤلاء جميعًا.
والنبي صلى الله عليه وسلم -فيما يروى في السيرة- جاء للصحابة وقد حاصروا الطائف، فأمرهم قال: (( غدًا نرجع ) )خلاص .. نفك الحصار ونرجع؛ الصحابة رفضوا أن يفكوا الحصار، وأبوا إلا أن يبقى الحصار قائمًا حتى ينتصفوا من ثقيف. ففي اليوم الثاني كثرت فيهم الجراح السهام، فجاءوا للنبي صلى الله عليه وسلم في المساء وطلبوا منه أن يفكوا الحصار ويرجعوا، لكثرة ما حدث فيهم من جراح!! النبي في أول الأمر قال: كما تريدون، أنتم تريدون أن تبقوا فلتبقوا. ولكن لما كثرت فيهم الجراح جاءوا يسألونه الرجوع!! فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم وأمر أن يفك الحصار ورجعوا.
المطلوب هو الشجاعة في موطنها, و الشجاعة في قول الحكمة في موطنها.