وهل هي بحق مصالح للإسلام والسلمين؟ الجواب عندي بالقطع: أن كل هذه أوهام، وأن المفاسد أضعاف أضعاف ما يزعمون من مصالح.
وقبل أن أترك هذه المسألة، وهي مسألة المصالح والمفاسد فإن في هذه القضية مسألة يجب على المهتمين بهذا الباب أن يعرفوها، فإنها تحتاج إلى أبحاث وأوراق كثيرة لكشف تلعب بعض من انتسب للفقه فيها، وهم يستندون على ما قاله الإمام الشاطبي في الموافقات، وعلى عبارة شهيرة لابن القيم في إعلام الموقعين"حيثما كانت المصلحة فثم وجه الله"، وهؤلاء يستندون على قاعدة المصالح والمفاسد في التحليل والتحريم هم بحق يتلعبون بدين الله تعالى، ويخوضون فيه بأهوائهم، ولو رجعت إلى الشروط التي وضعها الإمام الشاطبي في الموافقات للعمل بهذه القاعدة لرأيت كذب هؤلاء على الإمام الشاطبي، وأن ما يفعلونه من الفسق لا يمت إلى علم الفقه بصلة، وليس له استناد لقول فقيه من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، أعني في قواعدهم الأصولية، وإن مما أدعو الله تعالى أن أحققه أن أتفرغ لهذه المسألة لأبين البون الشاسع بين هؤلاء المتلعبين وبين قواعد أهل العلم ومنهم الإمام الشاطبي، ولأضرب لك مثالًا واحدًا هو ما يمكن أن يتسع له هذا اللقاء، فإن الإمام الشاطبي ذكر الإجماع في مقاصد الشريعة أن مصلحة الدين مقدمة على مصالح الدنيا، واحتج بأن الجهاد شرع للأمة بل هو واجب في بعض صوره مع ما فيه من إرهاق الأموال والانفس، ومفارقة الأهل والأرض. فلو تأملت هذه القاعدة وعرضت عليها صنائع هؤلاء لرأيت كيف أن هؤلاء يضيعون حق الله، حتى لو كان توحيده، مقابل مصالح شخصية أو لأفراد معينيين، لا تعود على الامة، ولو ذهبت أسوق لك الأمثلة لرأيت العجب العجاب من فتاويهم التي سماها أحد الإخوان بالفتاوي المتسيبة.
حين نقول للناس هذا الكلام يرد علينا خصومنا أنتم متشددون، ونحن نقول: غفر الله لنا ولكم، والمسألة ليست أبدًا بين متشدد ومتساهل وليتها كذلك لاخترنا السلامة واليسر، ولكن هذا هو دين الله نخضع له حيث ظهر لنا الدليل، ونقول: إن شرع الله أرحم وأيسر من كل شرائع الخلق حتى لو بدت في أعيننا سهلة ميسورة.
ومع وضوح هذه المسألة وهو أن الإنتخابات البرلمانية عمل كفري يضاد الله في حقه في التشريع والحكم إلا أننا لا نكفر مخالفينا في هذه المسألة لأننا نعذر المتأولين الجاهلين، فهم عندنا جهلة، ولا يعرفون الحق، وشرط المشاقة كما تقدم من آية النساء-ومن يشاقق- هو التبيين، وهؤلاء جهلة، هذا في ظاهر الأمر عندنا، والله أعلم بالقلوب و النيات، وندعو لهم بالهداية والعودة للحق، لكن انظر إلى مخالفينا كيف يكذبون علينا ويطلقون علينا الأوصاف الكاذبة، فهم في واقعهم يتحالفون مع العلمانيين والمرتدين وإن جاء حديثهم إلينا كشروا عن أسنانهم ورمونا بأشد الأوصاف وأقساها، غفر الله لنا ولهم.