أهوال يوم القيامة, وحر النار, وكربات الموقف والصراط, والقبر وفتنته وعذابه, هل بك على احتمال عذاب الله من طاقة؟ (وَقَالُوا لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ) أي حياة تعيشها وراية الكفر مرفوعة والحكم الوضعي سائد والمناكر منتشرة والعدول الصائل يصول ويجول بينما المجاهدون الصادقون يطاردون ويؤسرون ويقتلون.
قال ابن القيم رحمه الله: " وأي دين وأي خير في من يرى محارم الله تُنتهك, وحدوده تُضاع, ودينه يُترك, وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يُرغّب عنها, وهو بارد القلب ساكت اللسان شيطانٌ أخرس, كما أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق, وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورياساتهم, فلا مبالاة لما جرى على الدين, وخيارهم المتحزن المتلمظ, ولو نوزع في بعض ما فيه غضاضة عليه في جاهه أو ماله, بذل وتبذّل, وجد واجتهد, واستعمل مراتب الإنكار الثلاث, بحسب وسعه, وهؤلاء مع سقوطهم من عين الله, ومقت الله لهم, قد بلوا في الدنيا بأعظم بلية تكون وهم لا يشعرون, وهو موت القلوب, فإن القلب كل ما كانت حياته أتم, كان غضبه لله ولرسوله أقوى, وانتصاره للدين أكمل, وقد ذكر الإمام أحمد وغيره أثرًا, أن الله سبحانه أوحى إلى ملك من الملائكة أن اخسف بقرية كذا وكذا, فقال يا رب: كيف وفيهم فلان العابد, قال: به فابدأ فإنه لم يتمعر وجهه فيّ يومًا قط, وذكر أبو عمر في كتاب التمهيد: أن الله سبحانه أوحى إلى نبي من أنبياءه قل لفلان الزاهد أمّا زهدك في الدنيا فقد تعجلت به الراحة, وأمّا انقطاعك إليّ فقد اكتسبت به العز, ولكن ماذا عملت في ما لي عليك, فقال يا رب: وأي شيء لك علي, قال: هل واليت فيّ وليًا أو عاديت فيّ عدوًا", انتهى من كلام ابن القيم رحمه الله.
و إن سولت لك نفسك , فظننت أن سابقتك في الجهاد تغني عنك, وتبرئ ذمتك, فهذه التي أعيذك بالله منها, وهي أن تكون ممتن بجهادك على ربك, وهو الذي لولاه ما اهتديت, ولا تصدقت ولا صليت, (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ) .
لقد كان كعب بن مالك رضي الله عنه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, وشهد معه المعارك, ولما ضعفت نفسه يوم العسرة, وقعد عن الجهاد, حصل ما حصل مما لا يخفاك, حيث هجره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون, ولم يعذروه, واتهمه بعضهم بالنفاق, ولولا رحمة الله به لكان من الخاسرين, وأنزل الله فيه وفي صاحبيه آيات عظيمة, لتكون درسًا لكل صادق من المجاهدين, اجتمع عليه أعداءه من شياطين الإنس والجن ونفسه الضعيفة, فزلت به القدم, وتكاسل عن الجهاد, (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) , نعم .. كونوا مع الصادقين المجاهدين, ولا تكونوا مع الكاذبين المنافقين, (مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) .
ثم اعلم أخي, أنك أنت المحتاج إلى الجهاد لنفع نفسك, وتخليص رقبتك من النار, (وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ) ولن تنفعك سابقتك إن تخليت عن الجهاد, وسيورث الله مجد الجهاد وعزه لقوم آخرين يحبهم ويحبونه, (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) ، (وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) , ولن يتوقف نصر الدين على جهادك, بل أمر الله ماضٍ لا راد له, وحزبه هم المنصورون, وجنده هم الغالبون, ودينه هو الظاهر ولو كره المشركون, ومع ذلك فأنت مطالب بحق الله الذي أوجبه عليك.
يا أيها القسامي .. إن كان الذي أقعدك عن الجهاد شبهات ووساوس, فاستعذ بالله منها ومن أهلها, واعلم أنك مهما عرفت الاستقامة على شرع الله, فلن يتركك شياطين الإنس والجن, بل سيبذلون جهدهم لصدك عن كل طاعة, حتى لو قدروا على إخراجك من الدين لفعلوا, قال صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه فقعد له بطريق الإسلام, فقال: تسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء أبيك, فعصاه فأسلم, ثم قعد له بطريق الهجرة, فقال: تهاجر وتدع أرضك وسمائك وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطول, فعصاه فهاجر, ثم قعد له بطريق الجهاد, فقال: تجاهد وهو جهد النفس والمال فتقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال, فعصاه فجاهد, فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فمن فعل ذلك كان حقًا على الله أن يدخله الجنة, ومن قتل كان حقًا على الله أن يدخله الجنة, وإن غرق كان حقًا على الله أن يدخله الجنة, أو وقصته دابته كان حقًا على الله أن يدخله الجنة".
أعلم أن المرجفين قد أكثروا عليك بالكلام والمصالح المتوهمة, وأطالوا عليك بالتشكيك في الجهاد ليكون الدين كله لله , وأنه لا فائدة منه, وأن ضرره أكبر من نفعه, ولا بد من التدرج بل والتعايش مع الباطل والحكم والاحتكام إليه كل ذلك تحت أوهام المصلحة , ولكني أوصيك بألا تسمع لأقوال الرجال, وأن تسمع لقول الكبير المتعال, (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ * إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) , دع عنك المصالح المتوهمة, فأي مصلحة نراعي بعد سب ذات الله تعالى من قبل بعض العلمانيين والزنادقة, ولا أحد ينكر أو ينتقم بل ينالون أعلى المناصب وما حال المرتد عزام