فهرس الكتاب
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق في سبيل الله، فوافق ذلك مالًا عندي، فقلت في نفسي: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا فجئت بنصف مالي. فقال لي رسول الله صلى الله لعيه وسلم: ما أبقيت لأهلك؟ قلت: مثله. قال: وأتى أبو بكر الصديق بكل ما عنده. فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله. فقلت: لا أسبقك في شئ أبدًا) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما النفاق الأصغر: فهو النفاق في الأعمال ونحوها، مثل أن يكذب إذا حدث، ويخلف إذا وعد، ويخون إذا اؤتمن، ومن هذا الباب: الإعراض عن الجهاد فإنه من خصال المنافقين.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:"من مات ولم يغزو ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من نفاق".
وقد أنزل الله سورة براءة التي تسمى الفاضحة لأنها فضحت المنافقين. أخرجاه في الصحيحين عن ابن عباس، قال:"هي الفاضحة، ما زالت تنزل ومنهم ومنهم حتى ظنوا ألا يبقى أحد إلا ذكر فيها". وعن المقداد بن الأسود قال:"هي سورة البحوث لأنها بحثت عن سرائر المنافقين". وعن قتادة قال:"هي المثيرة لأنها أثارت مخازي المنافقين". وعن ابن عباس قال:"هي المبعثرة"، والبعثرة والإثارة متقاربان.
وهذه السورة نزلت في آخر مغازي النبي صلى الله عليه وسلم؛ غزوة تبوك، عام تسع من الهجرة، وقد عز الإسلام وظهر. فكشف الله فيها أحوال المنافقين، ووصفهم فيها بالجبن، وترك الجهاد. ووصفهم بالبخل عن النفقة في سبيل الله، والشح بالمال. وهذان داءان عظيمات: الجبن والبخل.
قال صلى الله عليه وسلم:"شر ما في المرء؛ شح هالع وجبن خالع".
ولهذا قد يكونان من الكبائر الموجبة للنار، كما دل عليه قوله: {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة} ، وقال تعالى: {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير} .
وأما وصفهم بالجبن والفزع فقال تعالى: {ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون لو يجدون ملجئًا أو مغارات أو مدخلًا لولوا إليه وهم يجمحون} ؛ فأخبر سبحانه أنهم وإن حلفوا أنهم من المؤمنين فما هم منهم، ولكن يفزعون من العدو. لو