سعد إلى غزو الفرس: (فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو) . والثبات وإن كان مطلوبًا على كل حال، فإن تخصيصه بوقت اللقاء آكد، لأن الإنسان قد يدعي البطولة والاقدام في وقت السعة والدعة، ولكن مثل هذا الإدعاء ينكشف عند لقاء العدو ومقارعة السيوف وتطاير الأشلاء.
والأمر بالثبات لا يتنافى مع الرخصة التي في قوله تعالى: {ومن يُولِّهم يومئذٍ دُبُرَهُ إلا متحرفًا لقتالٍ أو مُتحيزًا إلى فئةٍ فقد باءَ بغضبٍ من الله .. } الآية (الأنفال-16) . وكذلك ما جاء في قوله تعالى: {الآن خَفَّفَ اللهُ عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا فإن يكن منكم مائةٌ صابرةٌ يغلبوا مائتين .. } الآية (الأنفال-66) .
فالرخصة يعمل بها حال الضرورة، والثبات مأمور به حال السعة، وحال تعرض ديار المسلمين للخطر الداهم. ونلاحظ أن الأمر بالثبات ورد أيضًا بصيغة النهي عن الفرار في قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا فلا تولوهم الأدبار (الأنفال-15) .
وذلك للتأكيد على وجوب الإلتزام به والقيام بشأنه، حيث التقى أسلوب النهي عن الفرار مع الأمر بالثبات فكان في ذلك مزيد عناية بشأنه.
والصبر عند اللقاء من علامات صدق المؤمن وقوة إيمانه في صبره على الطاعة وصبره عن المعصة ومصابرته لأعداء الله وتحمل أذاهم والمرابطة في الثغور ذودًا عن بيضة الاسلام والمسلمين، قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تُفلحون)
وقد جاء في الصحيحين أن رسول الله انتظر في بعض أيامه التي لقي فيها العدو حتى إذا مالت الشمس، قام فيهم فقال:"يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف"ثم قام النبي وقال:"اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم". والصبر نصف الإيمان، كما قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه:"الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر"وإذا كان الصبر مشروعًا في المواطن والأحوال كلها. فهو في ميدان الجهاد أوجب وآكد، وكما قال العلماء من قبل: النصر صبر ساعة.
وكذلك مما يقوي ثبات المؤمن عند القتال كثرة ذكره لله عزّ وجلّ وتواصل ارتباط روحه بخالقها، والمراد من الذكر استشعار عظمة الله، وذكر ما أعده الله تعالى لعباده المؤمنين، وما عاهدوا الله عليه.