فهرس الكتاب
وما دامت أمريكا قد أعطت لنفسها الحق في أن تتدخل في شؤون الآخرين من أجل تطبيق النظام الديمقراطي الذي تؤمن هي به عليهم، ويؤيدها في ذلك مؤيدون، مع أن النظام الديمقراطي لا يدعي أحد - حتى أصحابه - أنه النظام الذي ارتضاه الله لخلقه؛ فأي صفاقة غليظة إذن؛ تلك التي تعيب على المسلمين أن يتدخلوا في شؤون الآخرين بتكليف من الله، ولو في تصور المسلمين فحسب؛ من أجل تطبيق النظام الإسلامي على أولئك الآخرين، مع العلم أن هذا النظام يؤمن أكثر من ألف مليون من البشر أنه النظام الذي ارتضاه الله لخلقه؟!
وإذا كان الآخرون ينكرون ذلك؛ فلِمَ لا يفسح المجال لتقديم النظام بعقيدته للمناقشة، على المستوى الشعبي والرسمي العالمي عبر وسائل الإعلام الحديثة؛ ليدرك العالم بالبحث الحر مدى قرب هذه الدعوى أو بعدها عن الحقيقة؛ ما دام هذا العالم هو المعنيُّ أولًا وأخيرًا بهذه الدعوى؟!
وخلاصة القول: هل للمسلمين أن يتدخلوا باسم الجهاد في شؤون الآخرين؟
الجواب - وبدون مواربة: نعم! ولله الحمد والمنة، من أجل الإنسانية التي تدرك مصالحها الحقيقية؛ إذ ليس تدخل المسلمين في شؤون غيرهم كما تتدخل الوحوش في شؤون الضعاف من خلق الله؛ من أجل إشباع نهمة الافتراس عندها. وإنما هو كتدخل الآباء والأمهات في شؤون أبنائهم؛ من أجل إقرار الحق والعدل بينهم، وزرع المحبة والود والرحمة في قلوبهم، ولو أنفق الآباء والأمهات من جهدهم وراحتهم ومالهم الشيء الكثير في هذا السبيل [1] .
هدف الجهاد في الإسلام:
إن الهدف الرئيس هو تعبيد الناس لله وحده، وإخراجهم من العبودية للعباد إلى العبودية لرب العباد، وإزالة الطواغيت كلها من الأرض جميعًا، وإخلاء العالم من الفساد؛ ذلك لأن خضوع البشر لبشر مثلهم وتقديم أنواع العبادة لهم من الدعاء والنذر والذبح والتعظيم والتشريع والتحاكم؛ هو أساس فساد الأجيال المتعاقبة من لدن نوح عليه السلام إلى يومنا هذا، وهو انحراف بالفطرة السوية عما خلقها الله عليه من التوحيد، كما في حديث عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته: «ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا؛ كل مال نَحَلْتُه عبدًا حلال، وإني خلقت عبادي
(1) الجهاد والقتال في السياسة الشرعية، لمحمد هيكل، ج 1، ص 818 - 820.