فهرس الكتاب

الصفحة 308 من 514

آمنوا معه متى نصر الله؟ ألا إن نصر الله قريب [1] ، وقال سبحانه: {ام حسبتم ان تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} [2] ، فكل من قام بدين الله وشرعه لابد أن يبتلى فإن صبر وصابر ولم يبال بالمكاره التي على طريقه فهو الصادق الذي قد نال من السعادة كمالها ومن السيادة آلتها [3] ، فهذا"طريق تعب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورمي في النار الخليل، وأضجع للذبح إسماعيل، وبيع يوسف بثمن بخس ولبث في السجن بضع سنين، ونشر بالمنشار زكريا، وذبح السيد الحصور يحيى، وقاسى الضر أيوب، وزاد على المقدار بكاء داود، وسار مع الوحش عيسى، وعالج الفقر وأنواع الأذى محمد صلى الله عليه وسلم" [4] .

فلا تستوحش أُخيّ لقلة السالكين لأن الله عز وجل مع أوليائه وقادر على نصرتهم وهزيمة أعدائه؛ {إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون} [5] ، ولكن له سبحانه حكم وأسرار في تأخير هذا النصر، قال تعالى: {ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض} [6] ، أي؛ ليقوم سوق الجهاد ويتبين بذلك أحوال العباد الصادق من الكاذب، وليؤمن من آمن إيمانًا صحيحًا عن بصيرة لا إيمانًا مبنيًا على متابعة أهل الغلبة فإنه إيمان ضعيف جدًا لا يكاد يستمر لصاحبه عند المحن والبلايا [7] .

والمقصود كما يقول ابن القيم رحمه الله: (أن الله سبحانه اقتضت حكمته أنه لا بد أن يمتحن النفوس ويبتليها، فيظهر بالامتحان طيبها من خبيثها، ومن يصلح لموالاته وكراماته ومن لا يصلح وليمحص النفوس التي تصلح له ويخلصها بكير الامتحان كالذهب الذي لا يخلص ولا يصفو من غشه إلا بالامتحان إذ النفس في الأصل جاهلة ظالمة وقد حصل لها بالجهل والظلم من الخبث ما يحتاج خروجه إلى السبك والتصفية فإن خرج في هذه الدار وإلا ففي كير جهنم فإذا هذب العبد ونقي أذن له في دخول الجنة) [8] .

"وسئل الشافعي رحمه الله أيّما أفضل للرجل أن يمكن أو يبتلى؟ فقال: (لا يمكن حتى يبتلى) ، والله تعالى ابتلى أولى العزم من الرسل فلما صبروا مكنهم، فلا يظن أحد أنه"

(1) البقرة: 214

(2) آل عمران: 142

(3) تفسير السعدي

(4) الفوائد لابن القيم (49)

(5) يس: 82

(6) محمد: 6

(7) تفسير السعدي

(8) زاد العاد 3/ 16

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت