فهرس الكتاب

الصفحة 393 من 514

فقلت: إن المرأة عندنا مكرمة مصونة، فهي كالجوهرة الغالية النفيسة، كلٌ يخدمها ويحوطها ولا تخرج إلى سوق أو عمل إلا ومعها أحد هؤلاء، حفاظًا عليها.

ليس شكًا فيها فحاشا وكلا، فهي محل الثقة، غير أنّا نريدها في علاها نجمة لا تنالها أعيُنُ الناس تراها مصونة في سماها جعل لها الإسلام مكانة ليست لنساء الدنيا كلها، وما حفاظنا عليها إلا لعظيم قدرها في قلوبنا لكنها كالوردة الجميلة التي لا يجوز لكل الناس أن يشموها حتى لا تفسد! وإذا مرضت, فإنها تجد أهلها كلهم حولها، يحفون بها، ويخدمونها، ويراقبون أنفاسها، ويعتنون بها غاية العناية، ولا تكادين تجدين موطأ قدم في غرفتها لكثرة من يقوم بخدمتها من أقربائها، وإذا خرجت من المستشفى فإن هناك جيشًا من أهلها في انتظارها؛ فيفرحون لفرحها، ويسعدون لسعادتها؛ وليس كلبًا في انتظارها كحالك!. فغضبت, واتهمتني بأنني متخلف وسطحي, فابتسمت وخرجتُ من غرفتها بعد أن أنهيت عملي!.

ثم فوجئتُ بأن تلك المرأة تشكوني إلى كبير الأطباء وتطلب منه عدم دخولي عليها مرة أخرى!، بل وترغب في الخروج من المستشفى. فقلت: لابد من بقائها يومين على الأقل حتى أتمكن من إنهاء علاجها وأعمل لها تحاليل طبية, فأصرت على الخروج وخرجت.

نسيت الموقف تمامًا، فليست أول غربيٍ أسمع منه هذا الكلام، ولن تكون الأخيرة!. وفي ليلةٍ، فوجئت باتصال من الطبيب المناوب بقسم الطواريء يخبرني بأن امرأة لديها حالة تشنج مستمر. فأسرعت إلى المستشفى في منتصف الليل، ففوجئت بأن المريضة هي نفسها تلك المرأة! وكنت قد نسيتُ موقفها معي تمامًا، فأدخلتها غرفة العمليات، وقمت بإجراء عملية لها في الدماغ، وتمت بنجاح والحمد لله ثم دخلت عليها بعد إفاقتها، فرفعت رأسها ونظرت إليّ، وتكلمت بلسان ثقيل: أنت الذي أجريت لي العملية؟ نعم. وسهرت بجواري طوال الليل: نعم, لأن هذا واجبي.

قالت: يعني هذا أنك أنت الذي شفيتني! قلت: لا. قالت: من إذن؟ هل كان معك أحد؟ قلت: نعم، إنه الله عز وجل، هو الذي شفاك، وإنما أنا سبب، أنا الذي عالجتُ فقط. قالت: أنت لا تزال رجعيًا، تؤمن بالخرافات، وما وراء الطبيعة، أعجب لك وأنت طبيب مثقف كيف تصدق مثل هذه الأمور؟.

قلت: وأنا أعجب لك وأنت تدعين الثقافة، كيف لا تقرئين عن الإسلام، وتجوزين لنفسك إلقاء التهم جزافًا؟! ثم ودعتها وانصرفت.

وبعد قرابة ستة أشهر، أخبرني أحد العاملين أن هناك امرأة تريدني على الهاتف, رفعتُ السماعة: نعم، من المتحدث؟ فإذا بها تلك المرأة نفسها، وقد تبدلت نبرة حديثها، لكنها تطلب مني أمرًا غريبًا: أريد أن أراك, هل تستطيع أن تطلب إجازة من عملك، وتأتي إلينا في (لوند) لمدة يومين؟ فاعتذرت؛ لأن عملي متواصل دائمًا بلا انقطاع. فألَحّت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت