وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (26) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (27) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (28) } . يقول الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ رحمه الله: (فذكر تعالى عن المرتدين على أدبارهم أنهم من بعد ما تبين لهم الهدى ارتدّوا على علم، ولم ينفعهم علمهم بالحق مع الردة، وغرًّهم الشيطان بتسويله، وتزيين ما ارتكبوا من الردة، وهكذا حال هؤلاء المرتدين في هذه الفتنة، غرهم الشيطان، وأوهمهم أن الخوف عذر لهم في الردة، وأنهم بمعرفة الحق ومحبته والشهادة به لا يضرهم ما فعلوه، ونسوا أن كثيرًا من المشركين يعرفون الحق ويحبونه ويشهدون به، ولكن يتركون متابعته والعمل به محبة للدنيا، وخوفًا على الأنفس والأموال، والمآكل والرئاسات. ثم قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ} فأخبر تعالى أن سبب ما جرى عليهم من الردة، وتسويل الشيطان، وإملائه لهم، هو قولهم للذين كرهوا ما نزَّل الله: {سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ} فإذا كان من وعد المشركين الكارهين لما أنزل الله بطاعتهم في بعض الأمر كافرًا، وإن لم يفعل ما وعدهم به، فكيف بمن وافق المشركين الكارهين لما أنزل الله من الأمر بعبادته وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه من الأنداد والطواغيت والأموات، وأظهر أنهم على هدى، وأن أهل التوحيد مخطئون في قتالهم، وأن الصواب في مسالمتهم، والدخول في دينهم الباطل؟! فهؤلاء أولى بالردَّة من أولئك الذين وعدوا المشركين بطاعتهم في بعض الأمر،) .اهـ. الدلائل في حكم موالاة أهل الإشراك.
قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) } ، يقول الشوكاني: (فيه تعجيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم من حال هؤلاء الذين ادعوا لأنفسهم أنهم قد جمعوا بين الإيمان بما أنزل الله على رسول الله، وهو القرآن، وما أنزل على مَن قبله من الأنبياء فجاؤوا بما ينقض عليهم هذه الدعوى ويبطلها من أصلها ويوضح أنهم ليسوا على شيء من ذلك أصلًا، وهو إرادتهم التحاكم إلى الطاغوت، وقد أُمروا فيما أنزل على رسول الله وعلى من قبله أن يكفروا به) فتح القدير 1/ 482
والطاغوت كما يقول الإمام ابن القيم رحمه الله في"إعلام الموقعين" [1/ 50] : (الطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرةٍ من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله؛ فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم عدلوا من عبادة الله إلى عبادة الطاغوت، وعن التحاكم إلى الله وإلى الرسول إلى التحاكم إلى الطاغوت، وعن طاعته ومتابعة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته) اهـ.
لنتأمل قليلا مع توصيف الإمام ابن القيم الدقيق في الطاغوت حيث يقول: (فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله) ، السؤال الوارد هو ألم يتحاكم قادة حزب التحرير إلى الأمم المتحدة الملحدة؟، أليست هذه المنظمة طاغوتا أمرنا الله بالكفر به؟ ..
قال الشيخ الشنقيطي في قوله تعالى: {إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين ... فأحبط أعمالهم} .: (والآية الكريمة تدل على أن كل من أطاع من كره ما أنزل الله، في معاونته له على كراهته ومؤازرته له على ذلك الباطل؛ أنه كافر بالله) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حول حبوط العمل (ولا تحبط الأعمال بغير الكفر لأن من مات على الإيمان فإنه لابد من أن يدخل الجنة ويخرج من النار إن دخلها، ولو حبط عمله كله لم يدخل الجنة قط، ولأن الأعمال إنما يحبطها ما ينافيها ولا ينافي الأعمال مطلقًا إلا الكفر وهذا معروف من أصول أهل السنة) . الصارم المسلول (2/ 214) النسخة المحققة.