فيها، ومن بعدهم الصّليبيين غزو المسلمين في عقر دارهم، وأزهقوا مئات الآلاف من الأنفس المسلمة من الرِّجال والنِّساء والأطفال في مذابح رهيبة، وخربوا البلاد وذبحوا العباد حتى غرقت خيولهم في دماء المسلمين، في الوقت الذي كان فيه أصحاب التَّرف مشغولون في قصورهم بالجواري والكاس والطاس والمعازف.
وفي العصر الحديث شواهد كثيرة أيضًا لمن ألقى السّمع وهو شهيد؛ فليست لبنان عنّا ببعيدٍ، وما جرى للكويت قريبٌ، وما يحدث في الشَّام ماثلٌ للعيان، والقادم على أهل الإترافِ أشدّ وأنكى والله أعلم.
ومع أنّ الإعداد الجهاديّ هو ذروة سنام الإعداد؛ ولكن لن يصبر على الإعداد الجهاديّ إلّا من رَّوض نفسه وأعدّها عقائديًّا ونفسيًا، ويدري ما يعدُّ عن بصيرة وجدّ واجتهاد، ليتمّ بناء المسلم من داخله عقيدةً وتصورًا وفهمًا للمهمّة الملقاة.
ومواجهة الكفر بالقوّة هي طبيعة دعوة الإسلام، والتّخلي عنها من طبائع الاستسلام، قال تعالى: «وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلهِ» [الأنفال:39] وعن ابن عمر قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ «بُعِثْتُ [بَينَ يَدَي السَّاعَةِ] بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ اللهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ، وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» [1] ، ولقد ركَّزت السنة المطهرة على قضية الإعداد والتّدريبِ العسكريّ تركيزًا بيّنًا.
فعن سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ - رضي الله عنه -، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ، فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا ارْمُوا، وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلاَنٍ» قَالَ: فَأَمْسَكَ أَحَدُ الفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «مَا لَكُمْ لاَ تَرْمُونَ؟» ، قَالُوا: كَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَهُمْ؟ قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «ارْمُوا فَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ» [2] .
(1) رواه أحمد (5114) وقال الأرنؤوط: [إسناده ضعيف على نكارة في بعض ألفاظه، وعلق البخاري 6/ 98 (الفتح) بعضه بصيغة التمريض في باب ما قيل في الرماح فقال: ويُذكر عن ابن عمر] . وومعاني الحديث وأطرافه تشهد لها الآيات والأحاديث ولهذا احتج به الأئمة كالإمام أحمد وابن تيمية، ولا ينكر على من قواه والأفضل أن يروى بصيغة التمريض مثل ما فعل الإمام البخاري.
(2) رواه البخاري (2899) .