وأما المجاهدون ياحفيدي الحبيب؛ فقد أراد الله عز وجل بعد هذه الحوادث والأزمات التي مرت بهم أن يشتد عودهم, وتصلب قناعتهم، وتقوى شوكتهم, وتزيد أعدادهم, وتصقل تجربتهم, ويعرفوا حقيقة أعدائهم, وتتمايز صفوفهم وترسخ على طريق الجهاد أقدامهم وهم بين من تحسبهم والله حسيبهم شهداء مع حور وحبور, أو مجالد على أطراف الثغور, أو أسير ينتظر انبلاج النو, وستكون معركتهم القادمة مع من كانوا للعدويمينًا, وللخصيم عونًا, وفي يدي المحتل خنجرًا مسمومًا، واللذين قاموا بصب جام غضبهم وحقدهم على المجاهدين الأسرى في المعتقلات.
وقد لاتستطيع الكلمات أو تتمكن العبرات من وصف ماحصل داخل هذه المعتقلات من تعدي وطغيان. فبعد أن روت دماء المجاهدين الزكية ثرى بلادنا في كل مكان بلا جرم أو جريمة، ومزق أجسادهم الشريفة رصاص الغدر وقذائف الخيانة بلا ذنب أو عقوبة. وتخطفت أرواحهم الطاهرة مخالب الكيد وأنياب العمالة, ومن بقي منهم حيًا زُج به في الأسر ليعيش تحت أسياط التعذيب, وقيود التنكيل, وأهوال القمع والإرهاب, وأصبحوا لا أحياء فيُرجوا ولا أموات فينعوا, ضاعت حقوقهم, وديست كرامتهم, وكشفت عوراتهم, وحرفت قضاياهم, وشوهت مبادئهم, وهم الآن بين مطارق التعذيب وسندان غياب العدالة التي ماتت في بلادنا وأصبحت خرافة يرويها الأجداد لأحفادهم كخرافة الغول, العنقاء وعروس البحر.
وقدرك يا بني أن تولد في دولة ووطن بلا عدالة! ولو سألتني يا بني ماهي أحوالنا الآن مع كل ماحصل ويحصل للمجاهدين في الأسر والاعتقال, لقلت لك: قد يوصف الإنسان بغير ماهو فيه, ويعطى النعت من لايستحقه, ولكني أقسم لك بالله أنهم القوم لايشقى بهم جليسهم زكا أصلهم, وطاب مغرسهم وعذبت مشاربهم, الدين والفضيلة قائدهم, والأخلاق والرجولة رائدهم, أوسع الله في الأسر علمهم, وأجزل في المصيبة حلمهم, وأعظم عند الإبتلاء صبرهم, اتبعوا منهج الهدى الذي لاتبيد مناره، وسلكوا طريق القصد الذي لاتعفى آثاره, فمضوا راسخةً أقدامهم مرفوعةً جباههم بعد أن عجز المتاجرون بأعراض الأمة أن ينالوا من عزيمتهم, وخسر اللاهثون على أشلاء أجسادهم ونزف جراحه أن يبددوا صمودهم.
لقد جعل الله ماحصل لنا - إن شاء الله - زكاةً وتطهيرًا لأعمالنا, وتربية وإعدادًا لأهدافنا, تصفيةً وتمحيصًا لعقائدنا، وبيانًا وتوضيحًا لأعدائنا.