وإن شيئًا مؤسفًا بات يصبغ حياتنا ويطبع خطابنا اليوم، حيث مالت موازين المجاملات بالمعايير والقيم، وطغت لغة الرياء والاستعراض في كثير من أدبيات حديثنا ومجالسنا الرسمية ومقابلاتنا الخاصة، مما أعطى مؤشرًا واضحًا على عظيم المواجهة والتضحية في سبيل كلمة الحق، واستمرار هذا المنهج أدى بلا شك إلى بزوغ شمس النفاق دون أن يكون لها غروب قريب.
ولعل من أهم النتائج السيئة التي ترتب عليها هذا الحال؛ عدم القدرة على معرفة الحق أو الوصول إليه رغم شدة وضوحه عند الواضحين، لكنه صار عسيرًا على غيرهم.
حكم سيوفك في رقاب العذّل ... وإذا نزلت بدار ذُلّ فارحل
وإذا الجبان نهاك يوم كريهة خوفًا عليك من ازدحام الجحفل
فاعص مقالته ولاتحفل بها ... واقدم إذا حقّ اللقا في الأول
واختر لنفسك منزلا تعلوّ به أو مُت كريمًا تحت ظلّ القسطل
لا تسقني ماء الحياة بذلة ... بل فاسقني بالعزّ كأس الحنظل
وتأملوا معى قول المولى سبحانه وتعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} .
لا يقعدن بكم حب الحياة وحذر الموت عن الجهاد في سبيل الله، قاتلوا في سبيل الله، لا في سبيل غاية أخرى، وتحت راية الله، لا تحت راية أخرى، والله يسمع ويعلم.
قاتلوا في سبيل الله، وليس هناك عمل ضائع عند الله - واهب الحياة وآخذ الحياة -
إن الله أفرد للجهاد سورة سماها"القتال"أو"محمد"- نبي الملاحم صلى الله عليه وسلم - وسورة أخرى هي"الأنفال"وثالثة هي"التوبة"، وفيها من الأشارة ما فيها، فليتعظ أمرؤ وليثامن نفسه ويبذلها في أعلى الغايات وأسمى الأمنيات، عساه يلحق بالركب والقافلة، وقال تعالى: {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} .
قال شيخ الإسلام ابن جرير الطبري: (ومن جاهد عدوه من المشركين فإنما يجاهد لنفسه، لأنه يفعل ذلك إبتغاء الثواب من الله على جهاده والهرب من العقاب، فليس بالله إلى فعله ذلك حاجة، وذلك أن الله غني عن جميع خلقه، له الملك والخلق والأمر) اهـ.