رَاجِيهِ وَلَا يُخَيَّبُ فِيهِ،قَدْ تَرَكَ نَفْسَهُ مِنْ ثَلَاثٍ: الْمِرَاءِ وَالْإِكْثَارِ وَمَا لَا يَعْنِيهِ،وَتَرَكَ النَّاسَ مِنْ ثَلَاثٍ: كَانَ لَا يَذُمُّ أَحَدًا وَلَا يَعِيبُهُ،وَلَا يَطْلُبُ عَوْرتَهُ،وَلَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا فِيمَا رَجَا ثَوَابَهُ،وَإِذَا تَكَلَّمَ أَطْرَقَ جُلَسَاؤُهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرُ،فَإِذَا سَكَتَ تَكَلَّمُوا لَا يَتَنَازَعُونَ عِنْدَهُ الْحَدِيثَ،وَمَنْ تَكَلَّمَ عِنْدَهُ أَنْصَتُوا لَهُ حَتَّى يَفْرُغَ،حَدِيثُهُمْ عِنْدَهُ حَدِيثُ أَوَّلِهِمْ،يَضْحَكُ مِمَّا يَضْحَكُونَ مِنْهُ،وَيَتَعَجَّبُ مِمَّا يَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ،وَيَصْبِرُ لِلْغَرِيبِ عَلَى الْجَفْوَةِ فِي مَنْطِقِهِ وَمَسْأَلَتِهِ حَتَّى إِنْ كَانَ أَصْحَابُهُ لَيَسْتَجْلِبُونَهُمْ وَيَقُولُ: إِذَا رَأَيْتُمْ طَالِبَ حَاجَةٍ يِطْلُبُهَا فَأَرْفِدُوهُ،وَلَا يَقْبَلُ الثَّنَاءَ إِلَّا مِنْ مُكَافِئٍ وَلَا يَقْطَعُ عَلَى أَحَدٍ حَدِيثَهُ حَتَّى يَجُوزَ فَيَقْطَعُهُ بِنَهْيٍ أَوْ قِيَامٍ" [1] "
(دَائِمَ الْبِشْرِ ) أي دائم طلاقةِ الوجه والبشاشةِ مع الناس .
( لَيْسَ بِفَظٍّ ) أي ليس بغليظ الكلام ولا جافي القول .
( وَلَا غَلِيظٍ ) أي وليس بغليظ الطبع،بحيث يَجفوه الناس،بل كان سهْل الخُلُق ليِّن الجانب،قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (159) سورة آل عمران .
( وَلَا صَخَّابٍ) الصَّخَبُ هو اضطراب الأصوات وشِدَّتُها للخصومة . وصيغةُ (صخّاب) هنا صيغة نَسَب في سياق النفي،فهي لنفي الصَّخب عن حديثه - صلى الله عليه وسلم - إطلاقًا،لا في قليل ولا كثير،على حَدِّ صيغة (ظلاّم) في قوله تعالى: (وما ربُّكَ بظَلاّمٍ للعبيد) أي لا يُنْسَبُ له سبحانه الظلمُ في قليل ولا كثير .
( وَلَا فَحَّاشٍ ) الفُحش هو كل ما يشتَدُّ قُبحُه من الأقوال أو الأفعال . و (فحّاش) صيغة نسب أيضًا في مَساق النفي،فتُفيد نفي أصل الفُحش عنه - صلى الله عليه وسلم - قليلِه وكثيرِه .
( وَلَا عَيَّابٍ ) أي لا يعيب الناس،أو الأشياء،على سبيل الانتقاص لهم،أو الإزراءِ بها،بل كان عفًّا متعاليًا عن ذلك كلِّه .
( وَلَا مُشَاحٍ ) أي لا يُبالغ في المدح والثناء،وإنما يُنزِّلُ الناس منازلَهم،ويقول فيهم بالعدل
(1) - الشمائل المحمدية للترمذي - (346 ) حسن لغيره