وحقيقٌ بمن كان في الدنيا بهذه الزَّهادة،حتى اجتَذَب أصحابَه إليها،أن لا يُتَّهَم بطلبها،ويكذب على الله في ادّعاء الآخرة بها،ويَقنَع في العاجل،وقد سُلِب الآجل،بالميسور النَّزْر،ورضيَ بالعيش الكَدْر .
والخَصلة الرابعة:تواضُعُه للناس وهم أتباع،وخفضُ جناحه لهم وهو مُطاع،يمشي في الأسواق،ويجلس على التُراب،ويَمتزِجُ بأصحابه وجُلسائِه،فلا يتميَّز عنهم إلاّ بإطراقِهِ وحيائِه،فصار بالتواضع متميِّزًا،وبالتذلُّل متعزِّزًا .
عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِرَجُلٍ تَرْعَدُ فَرَائِصُهُ قَالَ: فَقَالَ لَهُ:"هَوِّنْ عَلَيْكَ [1] فَإِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ كَانَتْ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ فِي هَذِهِ الْبَطْحَاءِ"قَالَ: ثُمَّ تَلَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ: وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ" [2] "
وهذا من شرف أخلاقه،وكريم شِيَمه،فهي غَريزة فُطِرَ عليها،وجِبِلّةٌ طُبِعَ بها [3] ،لم تَنْذُرْ فتُعَدُّ [4] ،ولم تُحْصر فتُحَدّ .
والخصلة الخامسة: حِلمُهُ ووَقارُه عن طَيْشٍ يهُزُّه،أو خُرْقٍ يستفِزُّه [5] ،فقد كان أحلمَ في النِّفار من كل حليم [6] ،وأسلمَ في الخِصام من كل سليم،وقد مُني بجفوة الأعراب [7] ،فلم
(1) - أي سكِّن قلبك واطمئن ولا تجزع مني .
(2) - الْمُسْتَدْرَكُ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ لِلْحَاكِمِ (3692 ) صحيح
القديد اللحمُ المجفَّف بالشمس . وأراد بقوله - صلى الله عليه وسلم -: (إنما أنا ابنُ امرأةٍ كانت تأكل القَديد بمكة) : نفيَ صفة الملوكية عنه التي يلزمها الجبروتية والتكبر . وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: (أنا ابن امرأة ...) نَسَب نفسه إلى المرأة ، ولم يقل: (أنا ابن رجل) زيادةً في شدة التواضع وتسكينِ الرَّوْع ، لِما عُلِمَ من ضعف النساء . ثم وصَفَها بأنها (تأكل القديد) تواضعًا ، لأن (القديد) أكلٌ مَفْضول ، وهو مأكول المساكين الفقراء ، والمتكبرون الجبابرة لا يأكلون من اللحم إلاّ ما ذُبح حديثًا ، فكأنه قال: إنما أنا ابنُ امرأةٍ مسكينة ، تأكل مَفْضول الأكل ، فكيف تَخافُ مني؟ . أفاده العلامة القَسطلاّني رحمه الله تعالى في (( المواهب اللدنية ) )4: 319 320 بشرح الزرقاني .
(3) - الجِبِلّة: الخِلْقة .
(4) - لم تندر ، أي لم تكن نادرة قليلةً فتعد .
(5) الخُرْقُ: الجهل ، والحُمق .
(6) النِّفار: الجَزَعُ والخوف .
(7) - مُني: أُصيبَ .