فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 537

والخَصْلة الثالثة: أنه عَدَلَ فيما شَرَعه من الدين عن الغُلوِّ والتقصير،إلى التوسُّط،وخيرُ الأمور أوساطُها . لأنه العَدْلُ بين طرَفَيْ سَرَفٍ وتقصير،وليس لما جاوَزَ العدلَ حظٌّ من رشاد،ولا نصيبٌ من سَداد .

والخَصْلة الرابعة: أنه لم يَمِلْ بأصحابه إلى الدنيا،ولا إلى رَفْضِها،وإنما أمَرهم فيها بالاعتدال،وقال: (( خيرُكم من لم يترُكْ دُنياه لآخِرَتِه،ولا آخِرتَه لدنياه،ولكن خيرُكم من أخَذَ من هذه وهذه ) ) [1] .

وهذا صحيح،لأن الانقطاع إلى أحدهما اختلال،والجمعَ بينهما اعتدال .

وقال - صلى الله عليه وسلم -: (( نعم المطيّةُ الدُّنيا،فارتحلوها تُبَلِّغُكم الآخِرة ) ) [2] . وإنما كانت كذلك،لأن منها يَتزوَّدُ المرءُ لآخرتِه، ويستكثر فيها من طاعتِه،ولأنه لا يخلو تاركُها من أن يكون محرومًا مُضاعًا،أو مرحومًا مُراعى،وهو في الأوَّل كَلّ،وفي الثاني مُستَذَلّ .

والخَصْلة الخامسة: تَصدّيه لمعالِم الدين،ونوازِل الأحكام،حتى أوضح للأُمّة ما كُلِّفوه من العبادات،وبيّن لهم ما يَحِلُّ ويَحرُمُ من مُباحاتٍ ومحظورات،وفصَّلَ لهم ما يجوزُ ويمتنعُ من عقود ومناكحَ ومُعاملات،حتى احتاجَ أهلُ الكتاب في كثيرٍ من معاملاتهم ومَواريثهم لشرعِه،ولم يَحتَجْ شرعُه إلى شَرْعِ غيره .

(1) - أخرجه الديلمى (3/409 ، رقم 5249) ، وابن عساكر (65/197) .عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، ولفظه قريب مما ذُكر هنا وهو: (( ليس بخيركم من تَرَك دنياه لآخرته ، ولا آخرته لدنياه ، حتى يُصيبَ منهما جميعًا ، فإن الدنيا بلاغ إلى الآخرة ، ولا تكونوا كَلاًّ على الناس ) ). ولا يصحُّ

(2) - لم أجده بهذا اللفظ ، ففي حِلْيَةُ الْأَوْلِيَاءِ >> يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ >> ( 14947 ) قَالَ مُحَمَّدُ الرَّازِيُّ الْمُذَكِّرَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مُعَاذٍ يَقُولُ:"الدُّنْيَا أَمِيرٌُ مَنْ طَلَبَهَا وَخَادِمُ مَنْ تَرَكَهَا ، الدُّنْيَا طَالِبَةٌ وَمَطْلُوبَةٌ ، فَمَنْ طَلَبَهَا رَفَضَتْهُ ، وَمَنْ رَفَضَهَا طَلَبَتْهُ ، الدُّنْيَا قَنْطَرَةُ الْآخِرَةِ ، فَاعْبُرُوهَا وَلَا تَعْمُرُوهَا ، لَيْسَ مِنَ الْعَقْلِ بُنْيَانُ الْقُصُورِ عَلَى الْجُسِورِ ، الدُّنْيَا عَرُوسٌ وَطَالِبُهَا مَاشِطَتُهَا ، وَبِالزُّهْدِ يُنْتَفُ شَعْرُهَا ، وَيُسَوَّدُ وَجْهُهَا ، وَيُمَزَّقُ ثِيَابُهَا ، وَمَنْ طَلَّقَ الدُّنْيَا فَالْآخِرَةُ زَوْجَتُهُ , فَالدُّنْيَا مُطَلَّقَةُ الْأَكْيَاسِ لَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا أَبَدًا ، فَخَلِّ الدُّنْيَا وَلَا تَذْكُرْهَا ، وَاذْكُرِ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَهَا ، وَخُذْ مِنَ الدُّنْيَا مَا يُبَلِّغُكَ الْآخِرَةَ ، وَلَا تَأْخُذْ مِنَ الدُّنْيَا مَا يَمْنَعُكَ الْآخِرَةَ"

وفي المستدرك للحاكم ( 7870) عن سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: نِعْمَتِ الدَّارُ الدُّنْيَا لِمَنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا لآخِرَتِهِ ، حَتَّى يُرْضِيَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَبِئْسَتِ الدَّارُ لِمَنْ صَدَّتْهُ عَنْ آخِرَتِهِ ، وَقَصَّرَتْ بِهِ عَنْ رِضَاءِ رَبِّهِ ، وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: قَبَّحَ اللَّهُ الدُّنْيَا ، قَالَتِ الدُّنْيَا: قَبَّحَ اللَّهُ أَعْصَانَا لِرَبِّهِ"وفي سنده جهالة ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت