ثم مهَّدَ لشرعه أُصولًا تَدُلُّ على الحوادث المُغْفَلة،وتُستنْبَطُ لها الاحكام المعلَّلة،فأغنى عن نَصٍّ بعد ارتفاعه،وعن التباس بعد انقطاعه [1] ،ثم أمَرَ الشاهد أن يُبلِّغَ الغائب ليَعلضم بإنذاره،ويحتجَّ بإظهاره،فقال - صلى الله عليه وسلم -: (( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، ولا تكْذِبوا عليّ،فرُبَّ مُبلَّغٍ أوعى من سامع،ورُبَّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقَهُ منه ) ) [2] .
فأحكَمَ ما شَرَعَ من نصٍّ وتنْبيه [3] ،وعمَّ الناس بما أمر من حاضرٍ وبعيد،حتى صار لما تَحَمَّلَه من الشرع مُؤَدِّيا،ولما تَقلَّده من حقوقِ الأُمّة مُوَفِّيا،لئلا يكون في حقوق الله زَلَل،ولا في مصالح الأمّة خَلَل،وذلك في بُرهةٍ من زمانه،لم يَستوفِ تَطاوُلُ الاستيعاب،حتى
(1) - هذا المقطع وقع فيه تحريف لم أهتد إلى تصويبه! وجاء في الأصل: (وعن التباس بعدَ إغفالِه) فأثبته كما ترى ، لعله أقرب للصواب؟ .
والإمام الماوردي يعني: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - مَهَّدَ وأصَّلَ لهذا الشرعِ أصولًا يُرجَع إليها لمعرفة الأحكام التي لم يُنَصَّ عليها ، فأغنى بتلك الأصول المَقيسِ عليها بعد ارتفاع النصّ أي الوحي وانقطاعه عن التخبُّط والاشتباه في معرفة الأحكام والحوادث والوقائع غيرِ المنصوص عليها . وفي هذا يُسرٌ عظيمٌ للناس .
(2) كأنَّ الماوردي رحمه الله تعالى جَمَع في هذا السياقِ بين أحاديثَ مختلفةٍ ، ففي صحيح البخارى- المكنز - (3461 ) مَعْرِفَةُ السُّنَنِ وَالْآثَارِ لِلْبَيْهَقِيِّ (20 ) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ ، وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ ، فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ"وفي صحيح ابن حبان - (1 / 268) (66) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ." (صحيح) وفي صحيح ابن حبان - (1 / 269) (67) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبَانَ هُوَ ابْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ: خَرَجَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مِنْ عِنْدِ مَرْوَانَ قَرِيبًا مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ ، فَقُلْتُ: مَا بَعَثَ إِلَيْهِ إِلاَّ لِشَيْءٍ سَأَلَهُ ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَسَأَلْتُهُ ، فَقَالَ: أَجَلْ ، سَأَلَنَا عَنْ أَشْيَاءَ سَمِعْنَاهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنِّي حَدِيثًا فَحَفِظَهُ ، حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ ..".
(3) - المراد بالنَّص والتنبيهِ هنا: ما اصطلح عليه علماء أصول الفقه ، وهو أن (النص) : ما جاء فيه لفظُ التعليل للحُكمِ صَراحةً ، مِثلُ قولِه تعالى: (لكيلا تأسَوْا على ما فاتكم) . وقولِهِ - صلى الله عليه وسلم -: (( إنَّما جُعِلَ الاستئذان من أجل البصر ) ).
و (التنبيه) : الإيماء والإشارة إلى علةِ الحكم ، مِثلُ قوله تعالى: (السارقُ والسارقةُ فاقطعوا أيديهما) . فأشار بلفظ الفاء الداخلة على الحكم: (فاقطعوا) إلى أن علته هي السرقة . ومثلِ قوله - صلى الله عليه وسلم -: (( من بدَّل دينه فاقتلوه ) ). أي تحوَّل عن الإسلام لغيره . وقوله: (( القاتل لا يرث ) ). فأشار إلى أن عِلّة قتلِه رِدَّتُه عن الإسلام ، وأن علة حرمانه من الميراث هي أنه قتلَ مورِّثه .
وهذان المسلكان لبيان الأحكام إلى مسالك أخر يدلان على اتساع الشريعة وشمولها لبيان أحكام الوقائع والحوادث مهما تجدَّدَتْ ، وذلك بقياسِ ما لم يُنصَّ عليه منها ، على ما نُصَّ عليه ، استنادًا إلى علةِ الحكم المشتركة بينهما .