فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 537

أوجَز وأنجَز،وما ذاك إلاّ بديعٌ مُعْجِز .

والخَصْلة السادسة: انتصابُه لجهادِ الأعداء،وقد أحاطوا بجهاته،وأحدقوا بجَنَباته،وهو في قُطْرٍ مهجور،وعَدَدٍ محقور،فزاد به من قَلَّ،وعزَّ به من ذَلّ،وصار بإثخانِه في الأعداء مَحذورًا [1] ،وبالرُّعبِ منه منصورًا،فجمع بين التصدّي لشرع الدين حتى ظَهَر وانتشَر،وبَيَْ الانتصاب لجهاد العدو حتى قَهَر وانتصر،والجمعُ بينهما مُعْوِز إلاّ لمن أمَدَّه الله بمعونته،وأيَّده بلُطفه،والمُعْوِز مُعْجِز .

والخَصْلة السابعة: ما خُصَّ به من الشجاعة في حُروبه،والنَّجدةِ في مُصابرةِ عَدوِّه،فإنه لم يَشهد حَرْبًا فيها أَفْزاع [2] ،إلاّ صابَرَ حتى انجلَتْ عن ظَفَرٍ أو دِفاع،وهو في مَوقفِه لم يَزُلْ عنه هَرَبًا،ولا انحاز منه رَغَبًا،بل ثَبَتَ بقلبٍ آمن،وجأْشٍ ساكِن .

قد ولّى عنه أصحابُه يوم حُنَيْن،حتى بَقِيَ بإزاءِ جَمْعٍ كثير،وجَمٍّ غَفير،في تِسعةٍ من أهل بيته وأصحابِه،على بَغْلةٍ مسبوقةٍ إن طُلِبَتْ،غير مستعدةٍ لهَرَبٍ ولا طَلَب،وهو ينادي أصحابه،ويُظهِرُ نفسه،ويقول: إليَّ عِباد الله: (( أَنَا النَّبِيُّ لا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ ) ) [3] .

فعادوا أفذاذًا وأرْسالًا5،وهَوَازِنُ تراه وتُحجِمُ عنه،فما هاب حَرْبَ مَنْ كاثَرَه،ولا انكفَأَ عن مُصاوَلةِ من صابَرَه،وقد عَضَده الله بإنجادٍ وأجْناد فانحازوا وصَبَر،حتى أَمَدَّه الله بنصر [4] ،وما لهذه الشجاعة من عَديل .

وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ذُكِرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ:"كَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ ، وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ ، وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ . وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَيْلَةً ، فَانْطَلَقُوا قِبَلَ الصَّوْتِ ، فَتَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَقَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الصَّوْتِ ، وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ [5] ،"

(1) - أثْخَن في العدوّ إذا بالغ في قتاله .

(2) - الأفزاع: جمع فَزَع ، وهو الخوف والذعر .

(3) - صحيح البخارى- المكنز - (2864)

(4) - الأفذاذ جمع فَذّ ، وهو الفَرْد . والأرسال جمع رَسَل ، وهو الجماعة .

(5) - أي ليس عليه سَرْج ولا شيء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت