عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ،فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا،وَبِالإِسْلاَمِ دَيْنًا،وَبِمُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - رَسُولًا،نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ الْفِتَنِ. فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: مَا رَأَيْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَالْيَوْمِ قَطُّ،إِنَّهَا صُوِّرَتْ لِيَ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ،فَأَبْصَرْتُهُمَا دُونَ ذَلِكَ الْحَائِطِ. [1]
وعَنِ الزُّهْرِىِّ أَخْبَرَنِى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - رضى الله عنه . أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ فَصَلَّى الظُّهْرَ فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَذَكَرَ السَّاعَةَ،وَذَكَرَ أَنَّ بَيْنَ يَدَيْهَا أُمُورًا عِظَامًا [2] ثُمَّ قَالَ « مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شَىْءٍ فَلْيَسْأَلْ عَنْهُ،فَوَاللَّهِ لاَ تَسْأَلُونِى عَنْ شَىْءٍ إِلاَّ أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ،مَا دُمْتُ فِى مَقَامِى هَذَا » [3] . قَالَ أَنَسٌ فَأَكْثَرَ النَّاسُ الْبُكَاءَ [4] ،وَأَكْثَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَقُولَ « سَلُونِى » . فَقَالَ أَنَسٌ فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ أَيْنَ مَدْخَلِى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ « النَّارُ » . فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ [5] فَقَالَ مَنْ أَبِى
(1) - صحيح ابن حبان - (14 / 338) (6429) وصحيح مسلم- المكنز - (6272 )
أحفوا: أكثروا في الإلحاح والمبالغة فيه -أرم: سكت ولم يجب -يلاحى: يُخاصم ويُسب
(2) - قوله: (فذكر أمورًا عظامًا) ، الظاهر أنها من أمور الساعة وما يتقدمها أو يصحبها من أهوال عظام .
(3) فسألوه وأكثروا عليه الأسئلة ، وفيها ما يُشبهُ التعنُّتَ او الشك ، كسؤال أحدهم: أين ناقتي؟! وسؤال بعضهم عن الحج: أفي كل عام؟! وسؤال بعضهم: أين أنا؟ قال: في النار . ونحو هذه الأسئلة ، فغَضِبَ النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وغَضَبُ النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يَخرُج فيه فداه أبي وأمي عن الحق ، فإنه لا يقول إلاّ الحقَّ في الرضا والغضب .
(4) لخشيتهم أن تَنزل بهم العقوبةُ بسبب ذلك فبكَوْا بكاءً شديدًا .
(5) - كان عبدُ الله بن حُذافة رضي الله عنه أحَدَ العقلاء النبلاء والمجاهدين الصناديد الشجعان من الصحابة الكرام ، وهو أبو حُذافة أو أبو حُذَيفة عبدُ الله بن حذافة بن قيس بن عدي القرشي السَّهْمي . وأمُّهُ بنت حَرثان من بني الحارث بن عبد مَناة من السابقين الأولين .
أسلم عبد الله قديمًا ، وكان من المهاجرين الأولين ، هاجر إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية مع أخيه قيس بن حذافة ، ويقال: إنه شَهِدَ بدرًا ، وجعله النبي - صلى الله عليه وسلم - أميرًا على بعض البعوث ، وكان فيه فطانة وحَصافة ودُعابة ، وأرسله النبي - صلى الله عليه وسلم - بكتابه رسولًا وسفيرًا إلى كسرى يدعوه إلى الإسلام ، فمزَّق كسرى الكتابَ ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اللهم مزِّق مُلكه ، وقال: إذا مات كسرى فلا كسرى بعده ، فسلَّط الله على كسرى ابنه شِيْرَوَيْهِ ، فقتله ليلة الثلاثاء لعشر مضين من جمادى سنة سبع .
ووجَّهَ عمر جيشًا إلى الروم سنة 19 ، وفيهم عبد الله بن حذافة ، فأسرَتْهُ الروم في بعض المعارك ، فأرادوه على الكفر فأبي ، فقال له مَلِكُ الروم: تنصَّر أُشرِكْك في مُلكي ، فأبى ، فأمَرَ به فصُلِبَ وأَمر بِرَمْيِهِ بالسِّهام فلم يجزَعْ ، فأُنزِل وأَمر بِقِدْر فصُبَّ فيها الماء وأُغليَ عليه ، وأَمر بإلقاء أسيرٍ فيها ، فإذا عِظامُه تلوحُ ، فأمَرَ بإلقائه إن لم يتنصَّر ، فلما ذهبوا به بكى .
قال الملك: رُدّوه ، فقال: لِمَ بكيتَ؟ قال: تمنَّيتُ أن لي مِئةَ نفسٍ تُلقى هكذا في الله ، فعَجِبَ فقال: قبِّلْ رأسي وأُطلِقُك ، قال: لا، قال: قبِّل رأسي وأُطلِقُك ومَنْ معك من المسلمين ، فقبَّلَ رأسَه ، ففَعَل وأطلَق معه ثمانين أسيرًا ، فقَدِمَ بهم على عمر ، فقال عمر: حَقّ على كل مسلم أن يُقبِّل رأسَ عبدِ الله ، وانا أبدأ ففعلوا . وشهد عبد الله بن حذافة فتحَ مصر ، ودفن في مقبرتها في خلافة عثمان رضي الله عنهما .