يُعْوِزُهُمُ الْمَاءُ فَلَمَّا جَمَعَتْهُمُ الْحَاجَةُ اِنْتَظَمَ الْجَوَابُ بِهِمَا .
وَقَالَ اِبْنُ الْعَرَبِيِّ: وَذَلِكَ مِنْ مَحَاسِنِ الْفَتْوَى أَنْ يُجَاءَ فِي الْجَوَابِ بِأَكْثَرَ مِمَّا يُسْأَلُ عَنْهُ تَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ وَإِفَادَةً لِعِلْمٍ آخَرَ غَيْرِ مَسْئُولٍ عَنْهُ،وَيَتَأَكَّدُ ذَلِكَ عِنْدَ ظُهُورِ الْحَاجَةِ إِلَى الْحُكْمِ كَمَا هُنَا لِأَنَّ مَنْ تَوَقَّفَ فِي طَهُورِيَّةِ مَاءِ الْبَحْرِ فَهُوَ عَنِ الْعِلْمِ بحِلِّ مَيْتَتُهُ مَعَ تَقَدُّمِ تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ أَشَدَّ تَوَقُّفًا" [1] "
فأجاب - صلى الله عليه وسلم - ذلك المُدْلِجيَّ البَحّار،عن حكم التوضُّؤ بماء البحر،بأنَّ ماءَه طَهور يَصِحُّ التوضُّؤُ به،ثم أشفَقَ - صلى الله عليه وسلم - على ذلك البحّار أن يَشتَبِهَ عليه حُكمُ مَيْتَةِ البحر،وهي شيء يقَعُ له أثناءَ إبحاره،فبيَّن له انَّ ميتة البحر حلالٌ أكلُها والانتفاعُ بها،فقال له زيادةً على سؤالِه: (( الحِلُّ مَيْتَتُهُ ) ).
فهذه الزيادة في الجواب مهمة لأنها بيَّنت طهارةَ ماءِ البحر وإن مات فيه ما مات،وبيَّنَتْ حِلَّ تلك المَيتةِ أيضًا،ومعرفةُ ذلك ضروريةٌ للبحار،لأنه قد يحتاج إلى أكلِ تلك المَيتة في بعض الأحيان اختيارًا أو اضطرارًا،فيأكُلُ منها ويَدَّخر ولا حرج عليه .
وهذا الصنيعُ منه - صلى الله عليه وسلم - من لُبابِ الخير في أُسلوب التعليم واستيفاءِ ما يَحتاجُ إليه المتعلِّم . [2]
وعَنْ أَبِى جُرَىٍّ جَابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلًا يَصْدُرُ النَّاسُ عَنْ رَأْيِهِ لاَ يَقُولُ شَيْئًا إِلاَّ صَدَرُوا عَنْهُ قُلْتُ مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - . قُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلاَمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ. قَالَ: « لاَ تَقُلْ عَلَيْكَ السَّلاَمُ عَلَيْكَ السَّلاَمُ تَحِيَّةُ الْمَيِّتِ قُلِ السَّلاَمُ عَلَيْكَ » . قَالَ قُلْتُ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: أَنَا رَسُولُ اللَّهِ الَّذِى إِذَا أَصَابَكَ ضَرٌّ فَدَعَوْتَهُ كَشَفَهُ عَنْكَ وَإِنْ أَصَابَكَ عَامَ سَنَةٍ فَدَعَوْتَهُ أَنْبَتَهَا لَكَ وَإِذَا كُنْتَ بِأَرْضِ قَفْرٍ أَوْ فَلاَةٍ فَضَلَّتْ رَاحِلَتُكَ فَدَعَوْتَهُ رَدَّهَا عَلَيْكَ ». قَالَ قُلْتُ: اعْهَدْ إِلَىَّ. قَالَ: « لاَ تَسُبَنَّ أَحَدًا » . قَالَ: فَمَا سَبَبْتُ بَعْدَهُ حُرًّا وَلاَ عَبْدًا وَلاَ بَعِيرًا وَلاَ شَاةً. قَالَ:« وَلاَ تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَأَنْ تُكَلِّمَ أَخَاكَ وَأَنْتَ مُنْبَسِطٌ إِلَيْهِ وَجْهُكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمَعْرُوفِ وَارْفَعْ إِزَارَكَ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ فَإِنْ أَبَيْتَ فَإِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الإِزَارِ فَإِنَّهَا مِنْ الْمَخِيلَةِ وَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ
(1) - تحفة الأحوذي - (1 / 80) وفيض القدير، شرح الجامع الصغير، الإصدار 2 - (6 / 500)
(2) - الرسول المعلم - صلى الله عليه وسلم - وأساليبه في التعليم لأبي غدة - (1 / 111)