من الفوائد التعليمية التي تُستفادُ من هذا الحديث أنه ينبغي لمن حَضَر مجلسَ العالم إذا عَلِم بأهلِ المجلِس حاجةً إلى مسألةٍ لا يسألون عنها أن يسألَ هو عنها ، ليَحصُل الجوابُ للجميع ، وفيه أنه ينبغي للعالِم أن يَرفُقَ بالسائلِ ويُدنِيَه منه ، ليَتَمكَّنَ من سؤالِه غيرَ هائبٍ ولا مُنقَبِضٍ ، وأنه ينبغي للسائلِ أن يَرفُقَ في سؤالِه [1]
ويُستنبَط من هذا الحديث أيضًا جوازُ سؤالِ العالِم ما لا يَجهَلُه السائلُ ليَعلَمَه السامع .
وفي قوله - صلى الله عليه وسلم - (... يُعلِّمُكم دينَكم) دلالةٌ على أن السؤالَ الحَسَن يُسَمّى علمًا وتعليمًا ، لأن جبريلَ لم يَصدُرْ منه سوى السؤال ، ومع ذلك فقد سَمّاه النبيُّ مُعلِّمًا ، وقد اشتهَرَ قولُهم: حُسنُ السؤالِ نصفُ العلم . [2]
وقال القاضي عِياض رحمه الله: (( حديثُ جبريل قد اشتَمَل على شرح جميع وَظائِف العبادات الظاهرةِ والباطنةِ ، من عُقود الإيمان ، وأعمالِ الجَوارِح ، وإخلاصِ السَّرائِر ، والتحفُّظ من آفاتِ الأعمالِ ، حتى إن علومَ الشريعةِ كلُّها راجعةٌ إليه متشعبةٌ منه ، إذ لا يَشُذُّ شيءٌ من الواجباتِ والسننِ والرغائب والمحظوراتِ والمكروهات عن أقسامِه الثلاثة: الإيمان ، والإسلام ، والإحسان ) ). [3]
وانظروا إلى هذا الحديث الطويل بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي ذر الغفار ي رضي الله عنه:
عَنْ أَبِي ذَرٍّ،قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ ،فَإِذَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،جَالِسٌ وَحْدَهُ،قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّ لِلْمَسْجِدِ تَحِيَّةً،وَإِنَّ تَحِيَّتَهُ رَكْعَتَانِ،فَقُمْ فَارْكَعْهُمَا،قَالَ: فَقُمْتُ فَرَكَعْتُهُمَا،ثُمَّ عُدْتُ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ،فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ،إِنَّكَ أَمَرْتَنِي بِالصَّلاَةِ،فَمَا الصَّلاَةُ ؟ قَالَ: خَيْرُ مَوْضُوعٍ،اسْتَكْثِرْ أَوِ اسْتَقِلَّ،قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ،أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ: إِيمَانٌ بِاللَّهِ،وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللهِ،قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ،فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْمَلُ إِيمَانًا ؟ قَالَ: أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ،فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَسْلَمُ ؟ قَالَ: مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ،قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ،فَأَيُّ الصَّلاَةِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ: طُولُ الْقُنُوتِ،قَالَ: قُلْتُ: يَا
(1) - أفاده الإمام النووي في (( شرح صحيح مسلم ) )1:160 .
(2) - أفاده في (( فتح الباري ) )1:119 و 125 .
(3) - نَقَله النووي في (( شرح مسلم ) )1:158 .