قال: (( وهذا القدرُ من الحديث أصلٌ عظيم من أصولِ الدين ، وقاعدةٌ مهمةٌ من قواعد المسلمين ، وهو عُمدةُ الصِّدّيقين ، وبُغيةُ السالكين ، وكنزُ العارفين ، ودأبُ الصالحين ، وهو من جوامع الكَلِم التي أوتِيَها النبي - صلى الله عليه وسلم - ) ). [1]
قوله (ما المَسؤولُ عنها بأعلَمَ من السائِل) لم يقُل: لستُ بأعلَمَ بها منك ، كما يقتضيه المقامُ ظاهرًا ، ليُشْعِرَ بالتعميم ، تعريفًا للسامعين أن كلَّ مسؤولٍ وكلَّ سائلٍ عن وقت قيامِ السّاعةِ فهو كذلك .
وقال النووي رحمه الله تعالى [2] : (( يُستَنبَط منه أن العالمَ والمفتي وغيرَهما إذا سُئِل عما لا يعلَم ينبغي له أن يقول: لا أعلمُ ، وأن ذلك لا يَنقُصُه ، بل يُستَدَلُّ به على وَرَعِه وتقواه ووُفور علمِه ) ).
(أن تَلِدَ الأمةُ رَبَّتَها) هذا مجاز ، والمرادُ أن يَكثُرَ العقوقُ في الأولاد ، فيُعامِلُ الولدُ أمَّه معاملةَ السيِّد أمتَه ، من الإهانةِ بالسبِّ والضربِ والاستخدامِ ، فأطلِق عليه (رَبُّها) مجازًا لذلك .
قوله (الحُفاة) جمعُ الحافي وهو من لا نَعْلَ له . و (العُراة) جمعُ العاري ، وهوصادقٌ على من يكونُ بعضُ بدنِه مكشوفًا مما ينبغي ان يكون مستورًا . و (العَلة) جمعُ عائل ، وهو الفقير كثيرُ العِيال . و (رِعاء) جمعُ راعٍ ، و (الشّاء) جمعُ شاة .
والمقصودُ الإخبارُ عن تبدُّلِ الحال بأن يَستَولي أهلُ البادية على الأمر ويَتَمَلَّكوا البلادَ بالقهرِ ، فتكثُرَ أموالُهم وتنصَرِف هِمَمُهُم إلى تشييدِ البُنيانِ والتفاخُر به ، ومنه الحديث الآخر: (( لا تقومُ الساعةُ حتى تكون أسعدَ الناس بالدنيا لُكَعُ ابنُ لُكَعَ ) )واللُّكَعُ هنا: اللَّئيمُ . ومنه أيضًا حديثُ: (( إذا وُسِّد الأمرُ أي أُسْنِدَ إلى غيرِ أهلِه فانتَظِرْ الساعةَ ) )، وكلاهما في (( الصحيح ) ) [3]
(1) - (( شرح صحيح مسلم ) )1:157 158 و (( شرح صحيح البخاري ) )ص 245 246 و (( فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ) )1:482 483 .
(2) - في (( شرح صحيح مسلم ) )1:158
(3) - انظر (( فتح الباري ) )1:123 و (( فتح المهم ) )1:487 488 .