وفيه: أن الشفاعة إنما تكون في أهل الإخلاص خاصة، وهم أهل التصديق بوحدانية الله، ورسله، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: تمت خالصًا من قلبه، أو نفسه - [1] .
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَقُولُونَ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ . وَإِنِّى كُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِشِبَعِ بَطْنِى،حَتَّى لاَ آكُلُ الْخَمِيرَ،وَلاَ أَلْبَسُ الْحَبِيرَ،وَلاَ يَخْدُمُنِى فُلاَنٌ وَلاَ فُلاَنَةُ،وَكُنْتُ أُلْصِقُ بَطْنِى بِالْحَصْبَاءِ مِنَ الْجُوعِ،وَإِنْ كُنْتُ لأَسْتَقْرِئُ الرَّجُلَ الآيَةَ هِىَ مَعِى كَىْ يَنْقَلِبَ بِى فَيُطْعِمَنِى،وَكَانَ أَخْيَرَ النَّاسِ لِلْمِسْكِينِ جَعْفَرُ بْنُ أَبِى طَالِبٍ،كَانَ يَنْقَلِبُ بِنَا فَيُطْعِمُنَا مَا كَانَ فِى بَيْتِهِ،حَتَّى إِنْ كَانَ لَيُخْرِجُ إِلَيْنَا الْعُكَّةَ الَّتِى لَيْسَ فِيهَا شَىْءٌ،فَنَشُقُّهَا فَنَلْعَقُ مَا فِيهَا [2] .
وعن مُجَاهِدٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ آللَّهِ الَّذِى لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِنْ كُنْتُ لأَعْتَمِدُ بِكَبِدِى عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْجُوعِ،وَإِنْ كُنْتُ لأَشُدُّ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِى مِنَ الْجُوعِ،وَلَقَدْ قَعَدْتُ يَوْمًا عَلَى طَرِيقِهِمُ الَّذِى يَخْرُجُونَ مِنْهُ،فَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ،فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ،مَا سَأَلْتُهُ إِلاَّ لِيُشْبِعَنِى،فَمَرَّ وَلَمْ يَفْعَلْ،ثُمَّ مَرَّ بِى عُمَرُ فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ،مَا سَأَلْتُهُ إِلاَّ لِيُشْبِعَنِى،فَمَرَّ فَلَمْ يَفْعَلْ،ثُمَّ مَرَّ بِى أَبُو الْقَاسِمِ - صلى الله عليه وسلم - فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآنِى وَعَرَفَ،مَا فِى نَفْسِى وَمَا فِى وَجْهِى ثُمَّ قَالَ « أَبَا هِرٍّ » . قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ « الْحَقْ » . وَمَضَى فَتَبِعْتُهُ،فَدَخَلَ فَاسْتَأْذَنَ،فَأَذِنَ لِى،فَدَخَلَ فَوَجَدَ لَبَنًا فِى قَدَحٍ فَقَالَ « مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ » . قَالُوا أَهْدَاهُ لَكَ فُلاَنٌ أَوْ فُلاَنَةُ . قَالَ « أَبَا هِرٍّ » . قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ « الْحَقْ إِلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ لِى » . قَالَ وَأَهْلُ الصُّفَّةِ أَضْيَافُ الإِسْلاَمِ،لاَ يَأْوُونَ إِلَى أَهْلٍ وَلاَ مَالٍ،وَلاَ عَلَى أَحَدٍ،إِذَا أَتَتْهُ صَدَقَةٌ بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِمْ،وَلَمْ يَتَنَاوَلْ مِنْهَا شَيْئًا،وَإِذَا أَتَتْهُ هَدِيَّةٌ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ،وَأَصَابَ مِنْهَا وَأَشْرَكَهُمْ فِيهَا،فَسَاءَنِى ذَلِكَ فَقُلْتُ وَمَا هَذَا اللَّبَنُ فِى أَهْلِ الصُّفَّةِ كُنْتُ أَحَقُّ أَنَا أَنْ أُصِيبَ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ شَرْبَةً أَتَقَوَّى بِهَا،فَإِذَا جَاءَ أَمَرَنِى فَكُنْتُ أَنَا أُعْطِيهِمْ،وَمَا عَسَى أَنْ يَبْلُغَنِى مِنْ هَذَا اللَّبَنِ،وَلَمْ يَكُنْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ -
(1) - شرح ابن بطال - (1 / 182)
(2) - صحيح البخارى- المكنز - (3708 )