فهرس الكتاب

الصفحة 347 من 537

ثم إذا قال لهم أمرًا اختار فيه الطريق الفِطري أيضًا ، وهو الأمرُ بالمطلوب والنهيُّ عن المكروهِ ، ولم يَبحَثْ عن مراتِبه ، قال الله تعالى: (وما آتاكم الرسولُ فخُذوه وما نَهاكم عنه فانتهوا) ، فهذا هو السبيلُ الأقوم .

أما البحثُ عن المراتب فهو طريقٌ مُستحدَث سَلَكه العلماءُ لفساد الزمان ، وأما الصحابةُ رضي الله عنهم فإنهم إذا أُمِروا بشيءٍ أخذوه بجميع مَراتِبه ، وإذا عنه تركوه بالكلية ، فلم تكن لهم حاجةٌ إلى البحث .

ولو كان الشارعُ تعرَّض إلى المراتبِ لفاته منصبُ المُذكِّر ولانعدم العملُ ، فإنه إذا جاء البحثُ والجدال لبطل العمل ، مثلًا لو قال تعالى: (( فاعتزلوا النساءَ عن مَوضِع الطَّمْث ، ولا تَقربوه فقط ، واستَمتِعوا بسائرِ الأعضاء ) )، لربما وقَعَ الناسُ في الحرام ، لان من يَرتَع حول الحِمى يوشِكُ أن يَقَع فيه ، وإنما أخَذَ الاعتزالَ في التعبير ليكون أسهلَ لهم في العمل ، ولا يَقَعوا في المعصية .

وكذلك إذا أحب أمرًا أمَرَ به مطلقًا ، ليأتمر به الناسُ بجميع مراتبه ، ويَقَع في حيز مرضاةِ الله تعالى ، مثلًا قال: (( من تركَ الصلاةَ فقد كفَر ) )، ولم يقل: فَعَل فِعلَ الكفر ، أو مُستَحِلاًّ ، أو قارَبَ الكفرُ ، مع أنه كان أسهلَ في بادىء النظر ، لأنه لو قال كذلك لفات غرضُه من التشديد ولانعدم العملُ ، ولذا كان السلفُ يَكرهون تأويلَه .

فالحاصلُ أنه إذا أمَرَنا بشيءٍ فكأنه يُريدُ العَمَل به بأقصى ما يمكن ، بحيث لا تبقى مرتبةٌ من مراتِبه متروكةً ، وكذلك في جانب النهي ، ولذا كان يقولُ عند البيعة: (( فيما استطعتم ) )فبذلُ الجهد والاستِطاعة لا يكون إلاّ إذا أُجمِلُ الكلامُ ، وإذا فُصِّل يحدث التهاوُن ، كما هو مشاهد في عمل العوام وعامةِ العلماء الذين مالهم وجاهة عند الله وقبولٌ في جنابِه ، فهم ليسوا من الذين لا تُلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله )) [1] .

وإذا أراد المعلم أن يعطه تلميذه فليوجز،ولا يكثر عليه إلا إذا طلب التلميذ ذلك، حتى يستطيع حفظها وتطبيقها .

(1) - (( فيض الباري شرح صحيح البخاري ) )1:280

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت