بها إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، يتمسَّكون بها ويُعوِّلون عليها؛ لأنَّ الوصيَّة عند الوداع لها وقع في النفوس، ولعلَّ هذه الموعظة كان فيها ما يشعر بالتوديع، لذا طلبوا هذه الوصيَّة.
قوله:"أوصيكم بتقوى الله"، تقوى الله عزَّ وجلَّ أن يجعل المرء بينه وبين غضب الله وقاية تقيه منه، وذلك بفعل الطاعات واجتناب المعاصي، وتصديق الأخبار، وهي وصيَّة الله للأولين والآخرين، كما قال الله عزَّ وجلَّ: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} ، وهي سبب كلِّ خير وفلاح في الدنيا والآخرة، ويأتي الأمر بتقوى الله في كثير من الآيات، لا سيما الآيات المبدوءة ب {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ، وكذلك في وصايا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه.
قوله:"والسمع والطاعة وإن تأمَّر عليكم عبد"وهي وصيَّة بالسمع والطاعة لولاة الأمور في غير معصية الله، ولو كان الأمير عبدًا، وقد أجمع العلماء على أنَّ العبدَ ليس أهلًا للخلافة، ويُحمل ما جاء في هذا الحديث وغيره من الأحاديث في معناه على المبالغة في لزوم السمع والطاعة للعبد إذا كان خليفة، وإن كان ذلك لا يقع، أو أنَّ ذلك يحمل على تولية الخليفة عبدًا على قرية أو جماعة، أو أنَّه كان عند التولية حرًّا، وأُطلق عليه عبد باعتبار ما كان، أو على أنَّ العبدَ تغلَّب على الناس بشوكته واستقرَّت الأمور واستتبَّ الأمن؛ لِمَا في منازعته من حصول ما هو أنكر من ولايته.
قوله:"فإنَّه مَن يعِش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا"، هذا من دلائل نبوَّته - صلى الله عليه وسلم - ، حيث أخبر عن أمر مستقبَل وقع طبقًا لِمَا أخبر به - صلى الله عليه وسلم - ؛ فإنَّ الذين طالت أعمارُهم من أصحاب النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أدركوا اختلافًا كثيرًا ومخالفة لِمَا كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وذلك بظهور بعض فرق الضلال، كالقدرية والخوارج وغيرهم.
قوله:"فعليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الراشدين المهديِّين، عضُّوا عليها بالنَّواجذ"، لَمَّا أخبر - صلى الله عليه وسلم - بحصول التفرُّق وكثرته، أرشد إلى طريق السلامة والنجاة، وذلك بالتمسُّك بسنَّته وسنَّة خلفائه الراشدين، وخلفاؤه الراشدون هم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وقد وصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلافتَهم بأنَّها خلافةُ نبوَّة، كما جاء في حديث سفينة رضي الله عنه:"خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي اللهُ الملكَ أو ملكَه من يشاء"