كان - صلى الله عليه وسلم - يتعهَّد أوقاتَ أصحابه وأحوالَهم في تذكيرهم وتعليمهم،لئلاّ يَمَلّوا،وكان يُراعي في ذلك القَصْدَ والاعتدال .
قَالَ الأَعْمَشُ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ: شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ يَقُولُ: كُنَّا جُلُوسًا نَنْتَظِرُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَأَتَانَا يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ النَّخَعِىُّ فَقَالَ: مَا لَكُمْ؟ قُلْنَا: نَنْتَظِرُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ. فَقَالَ: أَيْنَ تَرَوْنَهُ ؟ قُلْنَا: فِى الدَّارِ. قَالَ: أَفَلاَ أَذْهَبُ فَأُخْرِجَهُ إِلَيْكُمْ؟ قَالَ فَذَهَبَ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا وَمَعَهُ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنِّى لأُخْبَرُ بِمَجْلِسِكُمْ ، فَمَا يَمْنَعُنِى أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ إِلاَّ كَرَاهِيَةُ أَنْ أُمِلَّكُمْ ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَتَخَوَّلُنَا [1] بِالْمَوْعِظَةِ فِى الأَيَّامِ كَرَاهِيَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا. [2]
وعَنْ شَقِيقٍ ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ يَخْرُجُ إِلَيْنَا ، فَيَقُولُ: إِنِّي لأُخْبَرُ بِمَكَانِكُمْ ، وَمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ إِلاَّ كَرَاهِيَةُ أَنْ أُمِلَّكُمْ ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الأَيَّامِ كَرَاهِيَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا. [3]
وعَنْ أَبِي وَائِلٍ ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ ؟ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَتَخَوَّلُنَا بِهَا ، مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا" [4] "
قال الحافظ ابنُ حجر [5] : (( يُستفاد من هذا الحديث استحبابُ ترك المُداومةِ في الجِدِّ في العمل الصالح خشيةَ المَلال ، وإن كانت المُواظَبةُ مَطلوبةً ، لكنها على قسمين: إمّا كلَّ
(1) أي كان يَتَعَهَّدُنا ، فيُراعي أوقاتَنا ويَتَطَلَّبُ أحوالَنا التي نَنْشَطُ فيها للموعظةِ ، ولا يفعل ذلك كلَّ يومٍ لئلا نَمَلَّ . السَّآمةُ: المَلالةُ ، والمعنى: كان يتَعهَّدُنا أي يُعلِّمُنا أيامًا ويدَعُنا بعضَ الأيام كراهية أن نَمَلَّ شفقةً علينا ، ليكون أخذُنا عنه بنَشاطٍ وحِرصٍ وشوق ، لا عن ضَجَر ومَلال فيَفوت مقصودهُ .
(2) - مسند الحميدي - المكنز - (114) وصحيح مسلم- المكنز - (7305 )
(3) - مسند أحمد (عالم الكتب) - (2 / 14) (3587) صحيح
(4) - صحيح البخارى- المكنز - (70 )
(5) - في (( فتح الباري ) )1:163