-صلى الله عليه وسلم -:"لَا يَمَلُّ اللهُ إذَا مَلِلْتُمْ"إذْ كَانَ الْمَلَلُ مَوْهُومًا مِنْكُمْ وَغَيْرَ مَوْهُومٍ مِنْهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَكَانَ مِثْلُ ذَلِكَ الْكَلَامِ الْجَارِي عَلَى أَلْسُنِ النَّاسِ عِنْدَ وَصْفِهِمْ مَنْ يَصِفُونَهُ بِالْقُوَّةِ عَلَى الْكَلَامِ وَالْبَلَاغَةِ مِنْهُ وَالْبَرَاعَةِ بِهِ لَا يَنْقَطِعُ فُلَانٌ عَنْ خُصُومَةِ خَصْمِهِ حَتَّى يَنْقَطِعَ خَصْمُهُ لَيْسَ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ أَنَّهُ يَنْقَطِعُ بَعْدَ انْقِطَاعِ خَصْمِهِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا يُرِيدُونَ ذَلِكَ لَمْ يُثْبِتُوا لِلَّذِي وَصَفُوهُ فَضِيلَةً إذْ كَانَ يَنْقَطِعُ بِعَقِبِ انْقِطَاعِ خَصْمِهِ كَمَا انْقَطَعَ خَصْمُهُ وَلَكِنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ بَعْدَ انْقِطَاعِ خَصْمِهِ كَمَا انْقَطَعَ خَصْمُهُ عَنْهُ، وَأَنَّهُ يَكُونَ مِنَ الْقُوَّةِ وَالِاضْطِلَاعِ بِخُصُومَتِهِ بَعْدَ انْقِطَاعِ خَصْمِهِ عَنْهَا كَمِثْلِ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْهَا قَبْلَ انْقِطَاعِ خَصْمِهِ عَنْهَا فَمِثْلُ ذَلِكَ، وَاللهُ أَعْلَمُ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:"لَا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا"وَإِنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا"أَيْ إنَّكُمْ قَدْ تَمَلُّونَ فَتَنْقَطِعُونَ، وَاللهُ بَعْدَ مَلَلِكُمْ وَانْقِطَاعِكُمْ عَلَى الْحَالِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ انْتِفَاءِ الْمَلَلِ وَالِانْقِطَاعِ عَنْهُ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ" [1]
وقَالَ الكلاباذي رَحِمَهُ اللَّهُ:"الْمَلَالُ تَكَرُّرُهُ يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ مِنْ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ ، وَأَذًى يَلْحَقُهُ مِنْهُ ، وَتَعَبٍ يُصِيبُهُ ، فَيَصْبِرُ عَلَيْهِ ، وَيَتَحَمَّلُ التَّعَبَ فِيهِ ، حَتَّى يَضْجَرَ وَيَسْأَمَ ، فَيَتْرُكَ ذَلِكَ الْعَمَلَ اسْتِثْقَالًا لَهُ ، وَيَرْفُضَهُ تَضَجُّرًا مِنْهُ وَسَأَمَةً ، وَهُوَ شَيْءٌ يَعْرِضُ لِلطَّبْعِ بَعْدَ إِيثَارِهِ لِلشَّيْءِ وَرَغْبَتِهِ فِيهِ ، وَهَذِهِ صِفَةُ الْإِنْسَانِ الْمَطْبُوعِ عَلَى طَبَائِعَ مُخْتَلِفَةَ وَأَوْصَافٍ ، وَيَتَعَالَى عَنْهَا عُلُوًّا كَبِيرًا ، فَالْمَلَالُ لَيْسَ بِصِفَةٍ لَهُ ، وَلَا يَجُوزُ مَعْنَاهُ الْمَفْهُومُ عِنْدَنَا مِنْ أَوْصَافٍ يَلْحَقُهُ الْمَلَالُ مِنَ الْمُحَدَثِينَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ صِفَةُ الْإِنْسَانِ الْمَطْبُوعِ الَّذِي يَضْعُفُ مِنْ تَحَمُّلِ مَا يَعْرِضُ لَهُ ، وَيَثْقُلُ عَلَيْهِ ، وَيَؤُودُهُ شَيْءٌ ، وَيُؤْذِيهِ . فَمَعْنَى قَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -:"إِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا"، لَيْسَ عَلَى الْغَايَةِ ، وَالتَّوْقِيتِ ، وَيُوصَفُ هُوَ تَعَالَى بِهَذِهِ الصِّفَةِ فِي وَقْتٍ ، أَوْ عِنْدَ تَغَيُّرٍ ، بَلْ هُوَ عَلَى النَّفْيِ عَنْهُ ، وَالتَّبْرِئَةِ لَهُ مِنْهُ ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ:"حَتَّى تَمَلُّوا"، وَتَمَلُّوا بَلْ تَمَلُّوا ، أَيْ: لَا يَمَلُّونُ ، وَلَا يَمَلُّ ، بَلَّ تَمَلُّونَ ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: الْمَلَالُ لَكُمْ صِفَةٌ ، وَهَذِهِ الصِّفَةُ لَاحِقَةٌ بِكُمْ إِذَا تَكَلَّفْتُمُ الْأَعْمَالَ ، وَأَكْرَهْتُمْ عَلَيْهَا نُفُوسَكُمْ ، وَتَحَمَّلْتُمْ مَا يَلْحَقُكُمْ مِنَ التَّعَبِ فِيهِ ، وَصَبَرْتُمْ عَلَيْهِ ، فَيُوشِكُ إِنْ يَضْعُفْ عَنْهَا قُوَاكُمْ تَسْتَثْقِلُوهَا ، وَتَضْجَرُوا مِنْهَا ، فَتَرْفُضُوا اسْتِثْقَالًا لَهَا ، وَاسْتِعْرَاضًا مِنْهَا ، وَزُهْدًا فِيهَا"
(1) - شرح مشكل الآثار - (2 / 118)