فهرس الكتاب
قال: والمتعلِّم القاصرُ ينبغي أن يُلقيَ إليه الجَليَّ اللائقَ به ، ولا يَذكرَ له أنَّ وراءَ هذا تدقيقًا وهو يَدَّخِرُه عنه ، فإن ذلك يُفتِّر رغبته في الجَليّ ، ويُشوِّشُ عليه قلبَه ، ويوهِمُ إليه البُخلَ به عنه ، إذ يَظُن كلُّ أحدٍ أنه أهلٌ لكلِّ علمٍ دقيقٍ .
بل لا ينبغي ان يُخاضَ مع العوام في حقائق العلومِ الدقيقةِ ، بل يُقتَصَر معهم على تعليم العباداتِ وتعليم الأمانة في الصناعاتِ التي هم بصددِها ، ويَمْلأُ قُلوبَهم من الرغبة والرهبة في الجنة والنار ، كما نَطَق به القرآن ، ولا يُحرِّك عليهم شبهةً فإنه ربما تعلَّقتْ الشبهةُ بقلبه ويَعسُرُ عليه حَلُّها فيَشقى ويَهلِك )) . انتهى مختصرًا .
قولُه (تأثُّمًا) أي تَجنُّبًا للإثم ، والمراد الإثم الحاصل من كِتْمانِ العلم .
قال الإمام أبو عَمْرو بنُ الصلاح في: (( وإخبارُ مُعاذٍ بذلك عند موتِه مع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مَنَعه من أن يُخبِر به الناسَ ، وجُهُهُ عندي: أنه مَنَعَه من التبشيرِ العام خوفًا من أن يَسْمَعَ ذلك مَن لا خِبرةَ له ولا علمَ فيغتَرَّ ويَتَّكِلَ .
ومع ذلك أخبر - صلى الله عليه وسلم - به على الخصوص مَن أَمِنَ عليه الاغترارَ والاتكالَ من أهلِ المعرفةِ بالحقائق ، فإنه أخبَرَ به مُعاذًا ، فسَلَك مُعاذ هذا المَسلَكَ ، وأخبر به من الخاصةِ مَنْ رآه أهلًا لذلك تأثُّمًا من أن يَكتُمَ علمًا أهلَه ، والله أعلم )) [1] .
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فَجَاءَ شَابٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ، أُقَبِّلُ وَأَنَا صَائِمٌ ؟ قَالَ: لاَ ، فَجَاءَ شَيْخٌ فَقَالَ: أُقَبِّلُ وَأَنَا صَائِمٌ ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَنَظَرَ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: قَدْ عَلِمْتُ لِمَ نَظَرَ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ ، إِنَّ الشَّيْخَ يَمْلِكُ نَفْسَهُ. [2]
(إن الشيخَ يَملِكُ نفسَه ) ) أي فلا يُخشى عليه إفسادُ الصوم بالوقوع في الجماع ، بخلاف الشابِّ فقد يَجرُّه التقبيلُ إلى الجماعِ أو الإنزالِ فيُفسِدُ عليه صومَه . فاختَلَفَ الجوابُ لاختلاف حالِ السائلَينِ .
(1) - (( شرح صحيح مسلم ) )ص 185
(2) - مسند أحمد (عالم الكتب) - (2 / 645) (6739) والصحيحة ( 1606) وصحيح الجامع ( 1646) حسن