فهرس الكتاب

الصفحة 418 من 537

ولَذّةُ عقْلِه إن كان سليمًا ، إنما هي تحقيقُ نسبةِ تلك الخواص إلى ما اختَصَّتْ به ، وإدراكُ القواعد التي قامَتْ عليها تلك النِّسَبُ ، فالاشتغالُ بالاكتناهِ إضاعةٌ للوقت ، وصَرْفٌ للقوة إلى غير ما سيقت له .

وأما الفكر في ذات الخالق سبحانه ، فهو طلَبٌ للاكتناه من جهة ، وهو ممتنع على العقل البشري ، لما علمتَ من انقطاع النسبة بين الوجودَيْن ، ولاستحالة التركُّب في ذاته . و: تطاولٌ إلى ما لا تَبْلغُهُ القوة البشرية من جهةٍ اخرى ، فهو عَبَثٌ ومَهْلَكة ، عَبَثٌ لأنه سَعْيٌ إلى ما لا يُدْرَك ، ومَهْلَكة لأنه يؤدّي إلى الخَبْط في الاعتقاد ، لأنه تحديدٌ لما لا يجوز تحديدُه ، وحَصْرٌ لما لا يصحُّ حصْرُه ... )) انتهى . وقد قال تعالى: (ليس كمِثْلِهِ شيءٌ وهو السَّميعُ البصير) .

وإذا كان العقل البشري عاجزًا عن إدراك كُنْهِ المخلوق ، فهو من بابِ أولى: يكون عاجزًا عن إدراك كُنْهِ الخالق سبحانه وتعالى ." [1] "

وقال العلاّمة عبد الله النبراوي في شرحه على (( الأربعين النووية ) )عند شرح الحديث الثلاثين الذي رواه الدارقطني وغيره بإسناد حسن عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها ، وحَدَّ حدودًا فلا تعتدوها ، وحرَّم أشياء فلا تنتهكوها ، وسكت عن أشياء رحمةً لكم غيرَ نسيان فلا تبحثوا عنها )) .

قال رحمه الله تعالى: (( ومن البَحْث عما لا يَعني: البحثُ عن أمور الغيب التي أُمِرنا بالإيمان بها ، ولم تُبيَّن كيفيتها ، لأنه قد يوجب البحثُ عنها الحَيْرة والشك ، ويرتقي الأمر إلى التكذيب والإنكار ، ومن ثم قال ابن إسحاق: لا يجوز التفكُّرُ في الخالق ولا في المخلوق بما لم يُسمَع فيه من الشرع ، كأن يقال في قوله تعالى: (وإنْ من شيء إلاّ يُسبِّحُ

(1) - (( رسالة التوحيد ) )ص 58 و59 و60 و61

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت