فهرس الكتاب

الصفحة 484 من 537

«يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا ، وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ» .. ولكننا نجد بعض التفسير لهذه الظاهرة في الروايات نفسها. لقد كانت الأنفال مرتبطة في الوقت ذاته بحسن البلاء في المعركة وكانت بذلك شهادة على حسن البلاء وكان الناس - يومئذ - حريصين على هذه الشهادة من رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ومن اللّه سبحانه وتعالى ، في أول وقعة يشفي فيها صدورهم من المشركين! ..

ولقد غطى هذا الحرص وغلب على أمر آخر نسيه من تكلموا في الأنفال حتى ذكّرهم اللّه سبحانه به ، وردهم إليه .. ذلك هو ضرورة السماحة فيما بينهم في التعامل ، والصلاح بين قلوبهم في المشاعر حتى أحسوا ذلك في مثل ما قاله عبادة بن الصامت - رضي اللّه عنه -: «فينا - أصحاب بدر - نزلت حين اختلفنا في النفل ، وساءت فيه أخلاقنا ، فنزعه اللّه من أيدينا ، فجعله إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ..» .

ولقد أخذهم اللّه سبحانه بالتربية الربانية قولا وعملا. نزع أمر الأنفال كله منهم ورده إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - حتى أنزل حكمه في قسمة الغنائم بجملتها ، فلم يعد الأمر حقا لهم يتنازعون عليه إنما أصبح فضلا من اللّه عليهم يقسمه رسول اللّه بينهم كما علمه ربه ... وإلى جانب الإجراء العملي التربوي كان التوجيه المستطرد الطويل ، الذي بدأ بهذه الآيات ، واستطرد فيما تلاها كذلك.

« يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ. قُلِ: الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» ..

لقد كان الهتاف لهذه القلوب التي تنازعت على الأنفال ، هو الهتاف بتقوى اللّه .. وسبحان خالق القلوب العليم بأسرار القلوب .. إنه لا يرد القلب البشري عن الشعور بأعراض الحياة الدنيا ، والنزاع عليها - وإن كان هذا النزاع متلبسا هنا بمعنى الشهادة بحسن البلاء - إلا استجاشة الشعور بتقوى اللّه وخوفه وتلمس رضاه في الدنيا والأخرى .. إن قلبا لا يتعلق باللّه ، يخشى غضبه ويتلمس رضاه ، لا يملك أن يتخلص من ثقلة الأعراض ، ولا يملك أن يرف شاعرا بالانطلاق! إن التقوى زمام هذه القلوب الذي يمكن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت