أن تقاد منه طائعة ذلولة في يسر وفي هوادة .. وبهذا الزمام يقود القرآن هذه القلوب إلى إصلاح ذات بينها: «فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ» ..وبهذا الزمام يقودها إلى طاعة اللّه ورسوله: «وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ» .
وأول الطاعة هنا طاعته في حكمه الذي قضاه في الأنفال. فقد خرجت من أن تكون لأحد من الغزاة على الإطلاق ، وارتدت ملكيتها ابتداء للّه والرسول ، فانتهى حق التصرف فيها إلى اللّه والرسول. فما على الذين آمنوا إلا أن يستسلموا فيها لحكم اللّه وقسم رسول اللّه طيبة قلوبهم ، راضية نفوسهم وإلا أن يصلحوا علائقهم ومشاعرهم ، ويصفوا قلوبهم بعضهم لبعضهم .. ذلك: «إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ»
فلا بد للإيمان من صورة عملية واقعية. يتجلى فيها ، ليثبت وجوده ، ويترجم عن حقيقته. ومن ثم يرد مثل هذا التعقيب كثيرا في القرآن لتقرير هذا المعنى الذي يقرره قول رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ولتعريف الإيمان وتحديده وإخراجه من أن يكون كلمة تقال باللسان ، أو تمنيا لا واقعية له في عالم العمل والواقع. [1]
وكان - صلى الله عليه وسلم - في بعض الأحيان يُجمِل الأمرَ في حديثِه لحضِّ المخاطَب على السؤالِ،وتَشويقِه إلى الاستكشافِ عنه،ثم يُفصِّلُه ببيانٍ واضحٍ فيكون أوقع في نفس المخاطَب وأمكن في حفظِه وفهمه .
فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ:"مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بِجِنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:"وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ"، وَمُرَّ بِجِنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ:"وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ". فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: فِدَاؤُكَ أَبِي وَأُمِّي، مُرَّ بِجِنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا فَقُلْتَ:"وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ [2] "، وَمُرَّ بِجِنَازَةٍ فَأُثْنِيَ"
(1) - في ظلال القرآن موافقا للمطبوع - (3 / 1473)
(2) قال الإمام النووي في (( شرح صحيح مسلم ) )7:19 (( هكذا جاء هذا الحديث في الأصول: وجَبَتْ ، وجبت ، وجبت ثلاث مرات ، وأنتم شهداء الله في الأرض ثلاث مرات ) ). وقال الإمام العيني في (( عمدة القاري ) )8:195 (( والتكرير في الحديث لتأكيد الكلام ، لئلا يشكّوا فيه ) ).