فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 537

قد يستغرب الكثيرون هذا العنوان،وقد يقول قائل: ما دخل الشجاعة بالتعليم،فضلًا عن المعلم !

نقول: الشجاعة التي نرمي إليها،هي الشجاعة الأدبية كما يحلو للكثيرين أن يسميها بهذا الاسم،ولا مشاحة في الاصطلاح،فأما الشجاعة التي يذهب الذهن إليها عندما نسمع هذه الكلمة لأول وهلة،فلقد كان نبيكم صلوات الله وسلامه عليه،أشجع الناس، فعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ،قَالَ: كُنَّا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ،وَلَقِيَ الْقَوْمُ الْقَوْمَ،اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،فَمَا يَكُونُ مِنَّا أَحَدٌ أَدْنَى مِنَ القَوْمِ مِنْهُ." [1] "

وأما الشجاعة المقصودة هنا،فهي شجاعة الكلمة،والاعتراف بالخطأ والقصور البشري،وهذا لا يكاد يسلم منه أحد.

أما التدليس،والجبن،والمراوغة فليست أمرًا محمودًا،ويحسن بالمعلم أن ينأى عنه . ولعل الصورة تتضح بعد تأمل الأمثلة التالية:

عن رَافِعَ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: قَدِمَ نَبِىُّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْمَدِينَةَ وَهُمْ يَأْبُرُونَ النَّخْلَ يَقُولُونَ يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ فَقَالَ « مَا تَصْنَعُونَ » . قَالُوا كُنَّا نَصْنَعُهُ قَالَ « لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا » . فَتَرَكُوهُ فَنَفَضَتْ أَوْ فَنَقَصَتْ - قَالَ - فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ « إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَىْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَىْءٍ مِنْ رَأْىٍ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ » . [2]

من سياق الحديث يتضح لنا بشرية النبي - صلى الله عليه وسلم - ،وأنه يخضع للأحوال التي تعتري البشر من النسيان والخطأ وغير ذلك . أما في مقام التشريع فلا يجوز عليه ذلك،نعم قد يحصل منه نسيانًا في مقام التشريع لكي يشرع للأمة،كما سلم من ركعتين في صلاة رباعية، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِحْدَى صَلاَتَىِ الْعَشِىِّ - قَالَ ابْنُ سِيرِينَ سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا - قَالَ فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ،فَقَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِى الْمَسْجِدِ فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا،كَأَنَّهُ غَضْبَانُ،وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى

(1) - مسند أحمد (عالم الكتب) - (1 / 431) (1347) صحيح

(2) - صحيح مسلم- المكنز - (6276 ) - يأبر: يلقح -نفضت: أسقطت ثمرها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت