الْمَرِيض إِذَا دَخَلَ فِي الْأَصِحَّاء أَمْرَضَهُمْ فَنَفَى الشَّارِع ذَلِكَ وَأَبْطَلَهُ،فَلَمَّا أَوْرَدَ الْأَعْرَابِيّ الشُّبْهَة رَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - بِقَوْلِهِ:"فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّل"؟ وَهُوَ جَوَاب فِي غَايَة الْبَلَاغَة وَالرَّشَاقَة . وَحَاصِله مِنْ أَيْنَ الْجَرَب لِلَّذِي أَعْدَى بِزَعْمِهِمْ ؟ فَإِنْ أُجِيبَ مِنْ بَعِير آخَر لَزِمَ التَّسَلْسُل أَوْ سَبَب آخَر فَلْيُفْصِحْ بِهِ،فَإِنْ أُجِيبَ بِأَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ فِي الْأَوَّل هُوَ الَّذِي فَعَلَهُ فِي الثَّانِي ثَبَتَ الْمُدَّعَى،وَهُوَ أَنَّ الَّذِي فَعَلَ بِالْجَمِيعِ ذَلِكَ هُوَ الْخَالِق الْقَادِر عَلَى كُلّ شَيْء وَهُوَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى" [1] "
وعن زِيَادَ بْنِ عِلاَقَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَقُولُ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ،فَقَالَ النَّاسُ انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ،لاَ يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ،فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِىَ » [2] .
وفي الفتح:"وَفِي هَذَا الْحَدِيث إِبْطَال مَا كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَعْتَقِدُونَهُ مِنْ تَأْثِير الْكَوَاكِب فِي الْأَرْض،وَهُوَ نَحْو قَوْله فِي الْحَدِيث الْمَاضِي فِي الِاسْتِسْقَاء"يَقُولُونَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا"قَالَ الْخَطَّابِيُّ: كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْكُسُوف يُوجِب حُدُوث تَغَيُّر فِي الْأَرْض مِنْ مَوْت أَوْ ضَرَر،فَأَعْلَمَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ اِعْتِقَاد بَاطِل،وَأَنَّ الشَّمْس وَالْقَمَر خَلْقَانِ مُسَخَّرَانِ لِلَّهِ لَيْسَ لَهُمَا سُلْطَان فِي غَيْرهمَا وَلَا قُدْرَة عَلَى الدَّفْع عَنْ أَنْفُسهمَا . وَفِيهِ مَا كَانَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَيْهِ مِنْ الشَّفَقَة عَلَى أُمَّته وَشِدَّة الْخَوْف مِنْ رَبّه" [3]
(1) - فتح الباري ( 10/252 )
ينبغي أن نشير هنا إلى أمر هام وهو أن الأسباب لا تؤثر بنفسها فالمؤثر هو الله ، ولكننا نتجنب الأسباب التي تكون سببًا للبلاء .. وفي هذا المعنى يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين في شرحه لكتاب التوحيد (2/82) قال: وهذا النفي في هذه الأمور الأربعة ( وهي قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث"ولا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر") ليس نفيًا للوجود ، لأنها موجودة ، ولكنه نفي للتأثير ، فالمؤثر هو الله ، فما كان سببًا معلومًا فهو سبب صحيح ، وما كان منها سببًا موهومًا فهو سبب باطل ، ويكون نفيًا لتأثيره بنفسه ولسببه . فقوله:"لا عدوى"العدوى موجودة ، ويدل لوجودها قوله - صلى الله عليه وسلم -:"لا يورد ممرض على مصح"أي: لا يورد صاحب الإبل المريضة على صاحب الإبل الصحيحة ، لئلا تنتقل العدوى . أه .
(2) - صحيح البخارى- المكنز - (1060 ) وصحيح مسلم- المكنز - (2155 )
(3) - فتح الباري لابن حجر - (3 / 486)