هذا إذا سلَّمنا بكثرة نزع المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ، وإلا فقد نازع ابن القيم في كثير مما ادعى ابن جني فيه نزع المضاف ، ورأى أنَّ"أكثر ما ادَّعَى فيه الحذفَ لا يُحتاج فيه إليه ، ولا على صحة دعواه دليل سوى الدعوى المجردة" (1) وبعد أن حمل معنى القرية على أنها إذا أطلقت تناولت الساكن والمسكن ، وإذا قيدت بتركيب خاص واستعمالٍ خاص كانت حقيقة في ما قيدت به ، قال في قوله تعالى: { وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله } (2) :"لا مجاز هاهنا ولا حذف ، وتخلَّصت بهذا من ادعاء الحذف في ما شاء الله من المواضع التي زعم أنها تزيد على ثلاثمائة" (3) .
ومع ذلك لم ينفِ ابن القيم نزع المضاف بإطلاق ، بل رأى أنه ليس كلُّ موضعٍ يَقْبَلُ تقدير المضاف ولا كلَّ ما قَبِلَه جاز تقديره حتى يكون في الكلام ما يدل على التقدير دلالة ظاهرة ، ولا توقع اللبس بحيث لا يجد السامع بدًّا من التقدير كما يقول القائل: سافرنا في الثريا ، أي: في نوئها ، وجلسنا في الشمس ، أي: في حرِّها ، وهذا مما يعلم بالسياق فكأنه مذكور ، لم يفتْ إلا التلفظ به" (4) ."
ومال طاهر سليمان حموده إلى رأي ابن القيم ، فقال:"الواقع أن كثيرًا مما مثَّلوا به لحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه يمكن ردُّه حيث لا مقتضٍ له ولا حاجةٌ تدعو إليه ، أو لأن التقدير قد يخلُّ بالمعنى" (5) .
وبهذا تصير كثرة نزع المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه التي أثبتها الأولون محلَّ نظرٍ ، كما كانت قياسيته محل خلاف لذا كان لزامًا الوقوف عند الضابط الذي يثبت به القياس ، فينماز بذلك القياسي من السماعي ، ويُحْمَلُ ما لم يُسْمَعْ على ما سُمِع .
(1) مختصر الصواعق المرسلة: 335 .
(2) الطلاق: 8 .
(3) مختصر الصواعق المرسلة: 333 ، وينظر: بدائع الفوائد: 3/535 .
(4) مختصر الصواعق المرسلة: 335 .
(5) ظاهرة الحذف: 210 .