وأما جهة المخالفة فهي ذهابه إلى تعدي الفعل (نصح وشكر) إلى مفعولٍ واحدٍ بنفسه وإلى آخر بحرف الجر ، وهذه الجهة هي التي بسببها ضُعِّف هذا القولُ ، واتُّهم بالفساد والتمحل (1) ؛ بل وُصِفَ ابنُ درستويه بسبب ذلك بأنه كثيرًا ما يرتكب مثل هذه التمحُّلات (2) . والحجةُ-عند النحويين- في تضعيف ما ذهب إليه ابن درستويه أن ما ادَّعاه لم يسمع في موضعٍ ، يقول ابن عصفور:"ولو كان كما ذهب إليه لسُمع في موضعٍ من المواضع: نصحت زيدًا رأيه ، فتوصِلُ نصحت إلى منصوب بعد المجرور ، فإذ لم يسمع ذلك دليلٌ على فساده" (3) . ويقول أبو حيان في ردِّ هذا القولِ:"ويَحتاجُ كونُه يتعدى لواحدٍ بنفسه ، وللآخر بحرف جر ، فتقول شكرت لزيدٍ صنيعَه ، لسماعٍ من العرب ، وحينئذٍ يصار إليه" (4) .
والحقُّ أن ما منعوه من هذه الجهة مسموعٌ منقولٌ عن العرب في شكر ، من ذلك قول الشاعر (5) :
وما ضاعَ معروفٌ يكافئه شكرُ ... شكرتُ لكم آلاءَكم وبلاءَكم
وقول الآخر (6) :
ولم أكُ للمعروفِ ثَمَّ كنودا ... شكرتُ له يومَ العكاظِ نوالَه
وقول الآخر (7) :
(1) ينظر:شرح الجمل لابن عصفور: 1/307 ، وارتشاف الضرب: 3/50 ، والبحر المحيط: 2/50 ، وتاج العروس: (نصح ) .
(2) ينظر تاج العروس: (نصح) .
(3) شرح الجمل: 1/305 .
(4) البحر المحيط: 2/50 .
(5) البيت لحجية بن المضرَّب في أمالي القالي: 1/54 ، والحماسة البصرية:1/257،وبلا نسبة في تذكرة النحاة: 474.
(6) أنشده ابن عباس رضي الله عنه في جواباته نافعَ بن الأزرق ولم ينسبه . ينظر: الإتقان: 2/71 ، ودراسات في فلسفة النحو والصرف: 38 .
(7) البيت ينسب إلى أبي الأسود الدؤلي وهو في ديوانه: 388، ولعبد الله بن الزَّبير في ملحق ديوانه: 142، والحماسة البصرية: 1/425 ولكليهما في الأغاني: 7/403 ، وخزانة الأدب: 2/233 ، وبلا نسبة في: دلائل الإعجاز: 149، وأمالي ابن الشجري:2/129، وتذكرة النحاة: 474 .