لا يجد الباحثُ كبيرَ عناءٍ إن أراد أن يصنف باب أمر عند أكثر النحويين ، فقد اجتمعت كلمتُهم إلا ما ندر على أن ثاني مفعوليه منصوب على نزع حرف الجر ، ومع هذا بلغت الأقوال فيه مبلغَها في باب نصح ، وهذا بيانُها:
ذهب الأكثرون (1) إلى أن الأصل في أمر ، واختار ، واستغفر ، وسمَّى ، وكنَى ونحوِها أن تتعدى إلى مفعولٍ واحدٍ بنفسها ، وإلى الثاني بحرف الجر ، فإذا نزع حرف الجر وصل الفعلُ فنصب وذلك"أنه لما كثُر استعمالُ هذه الأفعال خففوها بحذف الجار" (2) فتُوسِّع فيها بالحذف تخفيفًا (3) .
ذهب السهيلي وابن القيم (4) إلى أن الأصل في هذا الباب"التعدي بحرف الجر ... وإنما حُذف لتضمُّن الفعل معنى فعلٍ آخر متعدٍّ ، كأنك حين قلت: اخترت الرجال ، أردتَ: نخلتُ الرجال ونقدتهم ، فأخذت منهم زيدًا ، فمن هاهنا أُسقط حرف الجر كما أسقط في أمرتك الخيرَ إذ كان الأمر تكليفًا ، كأنك قلت: كلَّفتك هذا الأمرَ" (5) .
ويشترط لذلك - عندهما - شرطان (6) :
(1) ينظر: كتاب سيبويه: 1/37 ، ومجاز القرآن: 1/229 ، ومعاني القرآن للأخفش: 2/534 ، والمقتضب: 4/330 ، والأصول في النحو: 1/178 ، والإيضاح: 154 ، وشرح عيون كتاب سيبويه: 42 ، وكشف المشكل: 1/404 ، واللباب: 1/269 ، والتوطئة: 205 ، وشرح الجمل لابن عصفور: 1/311، وارتشاف الضرب: 3/52 .
(2) المباحث الخفية: 1/502 . وينظر: الغرة المخفية: 1/241 .
(3) ينظر: المقتضب: 4/330 ، وشرح المقدمة المحسبة: 2/360 ، والغرة المخفية: 1/241، وشرح المفصل: 7/63 ، والبسيط 1/426 .
(4) ينظر: نتائج الفكر: 330 ، وبدائع الفوائد: 2/291 .
(5) نتائج الفكر: 330 .
(6) ينظر: نتائج الفكر: 336 - 337 ، وارتشاف الضرب: 3/53 ، وبدائع الفوائد: 2/294 -295 ، وهمع الهوامع: 3/12-13 .