وجعل المخزومي ( ت: 1413هـ ) مدار التفريق بينهما تقدُّمَ الذكر (1) ، فإن سقَط اللفظُ بعد أن سبق ذكرُه فهو حذف ، وإن سقط ولم يسبق له ذكر ٌ ، لكن دلَّتِ القرائنُ والمناسبات والملابسات عليه فهو إضمار ، كإضمار الفعل في باب التحذير .
في مقام ما اشتهر التفريق بينهما في بعض الأبواب النحوية ، كباب الفاعل ، فإنهم يقولون: الفاعل يضمر ولا يحذف (2) ، وكباب أنِ الناصبة للفعلِ المضارع ، فتكون مضمرةً جوازًا ووجوبًا بعد عددٍ من أحرف العطف والجر بشرطها ، وتكون محذوفة في غير ما تقدم فيرتفع الفعل المضارع بعدها في شواهد معلومة في بابها (3) .
والذي يعنيني من ذلك هنا أنَّ من النحويين من فرق بين الحذف والإضمار عند إسقاط الجار على نحو ما ألمح إليه الفارسي في مقولته السابقِ ذكرُها ، إذ يفهم منها أنَّ إضمار الجار إسقاطه مع بقاء أثره ، وحذفه إسقاطه مع ذهاب أثره .
وأوضح منه قول ابن الحاجب ( ت: 646هـ ) بعد أن ذكر الخلاف في محلِّ أنَّ وأنْ إذا حذف معهما حرف الجر:"يبقى النظر في الأولوية ؛ الحذفُ هو أم الإضمار ، والأولى الحذف (4) لأنه الكثير الشائع ، والإضمار قليل نادر ، فكان حمل هذا الملبس على ما هو كثير في كلامهم أولى من حمله على النادر" (5) .
(1) ينظر: في النحو العربي ، نقد وتوجيه: 223 .
(2) ينظر: نتائج الفكر: 165 ، والرد على النحاة: 83 ، وظاهرة الحذف: 18 .
(3) ينظر: أمالي ابن الشجري: 1/122 - 124 ، 327 ، 329 ، وشرح الكافية: 4/81 - 82 ، ومغني اللبيب: 528 ، والمساعد: 1/179 .
(4) يريد أن محلهما النصبُ بعد نزع الجار ، وليس الجرَّ ؛ لأن القول بالجر يلزم منه إبقاء أثر الجار بعد حذفه وهو الإضمار .
(5) الإيضاح في شرح المفصل: 2/160 .