أن يكون المحذر منه مجرورًا بحرف جر ، نحو: رأسَك من الجدارِ .
أن يكون المحذر منه مجردًا من حرف العطف وحرف الجر، نحو: رأسَك الجدارَ .
والذي يعنيني الوقوف عنده من صور التحذير الصورتان الأوليان ، وما تفرع منهما ، لا من حيثُ حكمُ ذكرِ العامل أو حذفِه ، ولا من حيثُ طريقةُ تقديره ، بل من حيثُ مجيءُ بعض تلكم الصورِ مخرَّجًا فيها انتصابُ المحذَّرِ منه على نزع حرف الجر ، وهي الصور الآتية:
إياك أن تكذب .
إياك الكذبَ ، إياك الأسدَ .
رأسَك الجدارَ .
فهل الأصلُ في هذه الصور أن يكون المحذر منه مجرورًا بحرف جر ، فلما نزع حرف الجر انتصب ، فيكون التقدير على هذا: إياك من أن تكذب ، وإياك من الكذب ، وإياك من الأسدِ ، ورأسك من الجدار ؟
يمكن بيان ذلك بالحديث في كل صورةٍ من هذه الصور الثلاث منفردةً على النحو الآتي:
الصورة الأولى: إياك أن تكذبَ .
منع ابن قتيبة أن تقول: إياك أن تفعل كذا ، قال:"ألا ترى أنك تقول: إياك وكذا ، ولا يقال: إياك كذا ، وقد جاء في الشعر ، وهو قليل ، وقال الشاعر (1) :"
وإيَّاك المحاينَ أنْ تحينا ." (2) ... ألا أبلغْ أبا عمرٍو رسولًا"
وما منعه ابن قتيبة مطلقًا كان قد أجازه سيبويه مقيدًا ، يقول:"لا يجوز أن تقول: إياك زيدًا ... وكذلك: أن تفعل إذا أردت: إياك والفعلَ ، فإذا قلت: إياك أن تفعل ، تريد: إياك أعِظُ مخافةَ أن تفعل ، جاز ؛ لأنك لا تريد أن تضمه إلى الاسم الأول ، كأنك قلت: إياك نحِّ لمكان كذا وكذا" (3) فسيبويه ، يمنع ذلك على جهة العطف ( الضم ) ، ويجيزه على جهة الجر ( التعليل ) ، ولعلَّ ابن قتيبة أراد ما ذكره سيبويه أولًا بدليل تعليله وتمثيله .
(1) البيت بلا نسبة في: أدب الكاتب: 273 ، وشرح أدب الكاتب: 220 ، ولم أجده في غيرهما .
(2) أدب الكاتب: 272 . وينظر: شرح أدب الكاتب: 220 .
(3) كتاب سيبويه: 1/279