وما عدا ذلك من أسماء الأمكنة المخصوصة التي لها أقطار تحصرها ونهايات تحيط بها مثل الدار والمسجد والسوق وما أشبه ذلك ، فحكمه أن يصرح معه بحرف الظرفية ، وهو في ، نحو: صليت في المسجد ، وقمت في السوق إلا ما شذ أو كان من باب دخل وسيأتي . أما ما شذ فنحو قول الشاعر (1) :
رفيقين قالا خيمتَي أمِّ معبدِ ... جزى اللهُ ربُّ الناسِ خيرَ جزائه
وكان حقه أن يقول: قالا في خيمتي أم معبدِ .
ويرجع النحويون السبب في جواز تعدي الفعل إلى جميع ظروف الزمانِ بخلاف ظروف المكان إلى أن دلالة الفعل على الزمان أقوى من دلالته على المكان ، لأنه يدل على الزمان بصيغته ، وبالالتزام ويدل على المكان بالالتزام فقط (2) وأحسن من هذا تعليل ابن الحاجب بقوله:"إنما لم ينصب الظرف المختص من الأمكنة بتقدير في كما انتصب المبهمُ منه وظرفُ الزمان مطلقًا لثلاثة أمورٍ:"
أحدها: أنه لو فعل ذلك فيه لأدى إلى الإلباس بالمفعول به كثيرًا ، ألا ترى أنك تقول: اشتريتُ يومَ الجمعة ، وبعتُ يوم الجمعة ، وأسكنتَ يومَ الجمعة ... ولا يلبس كونه ظرفًا ، ولو استُعملتِ الدارُ ونحوُها هذا الاستعمال لالتبس بالمفعول .
الثاني: هو أنه لما دخل في مسماه ما اختص به أشبه ما ليس بظرف ، كالثوب وشبهه فأُجري مُجراه ، بخلاف غيره ، فإنه لم يختص بأمرٍ دخل في مسماه ، فبقي على ظرفيته .
(1) البيت لقائل من الجن في: الروض الأُنف: 4/185 ، وشرح شذور الذهب: 235 ، والدرر: 3/87 ، وبلا نسبة في شرح الجمل لابن عصفور: 1/337 ، ولسان العرب: ( قيل ) وارتشاف الضرب: 2/254 ،وهمع الهوامع:2/114
(2) ينظر: كتاب سيبويه: 1/36 ، والمقتضب: 2/272 ، وعلل النحو: 367 - 369 ، وأمالي ابن الشجري:2/572 وشرح جمل الزجاجي لابن خروف: 1/377 - 378 ، وشرح المفصل: 2/43 ، وشرح ألفية ابن مالك: 108 - 109 ، وحاشية ياسين على الألفية: 1/ 274 .