ظاهر كلام سيبويه في موضعين من كتابه (1) القول بأصالة النصب ، وأن حرف الجر الداخل على المميز زائد بغرض التوكيد ، يقول في باب ما ينتصب انتصاب الاسم بعد المقادير:"وذلك قولك: ويحه رجلًا ، ولله دره رجلًا ، وحسبك به رجلًا وما أشبه ذلك ، وإن شئت قلت: ويحه من رجلٍ وحسبك به من رجلٍ ، ولله دره من رجلٍ ، فتدخُلُ مِنْ هاهنا كدخولها في كم توكيدًا" (2) .
ويظهر في موضعين آخرَينِ (3) ذهابُه إلى أن صورة النصب محولة عن صورة الجر بحرف الجر الذي حذِف استخفافًا يقول في نحو: امتلأت ماءً ، وتفقأت شحمًا:"إنما أصله: امتلأت من الماءِ وتفقأت من الشحمِِ ، فحذف هذا استخفافًا" (4) ويقول:"قولك: ما في السماء موضعُ كفٍّ سحابًا ، ولي مثلُه عبدًا ، وما في الناس مثلُه فارسًا ، وعليها مثلُها زبدًا ، وذلك أنك أردت أن تقول: لي مثلُه من العبيد ، ولي مثلُه من العسل ، وما في السماء موضع كف من السحابِ ، فحُذف ذلك تخفيفًا ، كما حذفه من عشرين حين قال: عشرون درهمًا" (5) .
ولاختلاف قول سيبويه في أصل المميِّز اختلف النحويون فيه على رأيين:
الرأي الأول: الأصل فيه النصب ، يقول الرضي:"ونصب المميِّز نصٌّ على كونه مميزًا وهو الأصل في التمييز بخلاف الجر فإنه عَلَمُ الإضافة" (6) ويقول ياسين:"وحكم التمييز النصبُ ، قال اللقاني: أي: حكمه الأصلي النصب ، وإلا فقد يأتي أن الجر حكم له" (7) أي: وإن كان على خلاف الأصل ، فينبني على هذا الرأي أمران:
(1) ينظر: 2/174 ، 4/225 .
(3) ينظر: 1/205 ، 2/172 .
(6) شرح الكافية: 2/92 .
(7) حاشية ياسين على التصريح: 1/395 .