ثانيها: إذا تقرر أن مِنِ الداخلةَ على المميز حرفُ جر أصلي فما متعلقة ؟
وجدت للأنطاكي تفصيلًا (1) لم أجده عند غيره يذهب فيه إلى أن متعلَّق من الداخلة على المميز محذوف ، فإن كانت من ومميزُها بعد كم أو كأين أو ما أو الذي فمتعلقهما حال محذوفة من الاسم المبهم ، تقديرها في نحو: كم من قريةٍ زرتها: عددٌ كثيرٌ حالةَ كونه من القرى زرتها ، وتقديرها في نحو: إن ما معك من مالٍ لا يكفي: إن ما وُجِد معك حالة كونه من مالٍ لا يكفي .
وإن كان المميز المجرور بمن بعد غير ما ذكر ، فالجار والمجرور متعلقان بصفة محذوفة للاسم المميز .
ثالثها: إذا كان الأصل في المميز هو الجر بحرف الجر والنصبُ إنما هو على نزع حرف الجر فهل يقال في المميِّز المنصوب: إنه المضمَّن معنى مِنْ ، أو ما فيه معنى من ، أو المقدر بمن ؟
يأتي هنا ما سبق بيانه في الظرف من أن التضمُّن يقتضي البناء ، لذا قال ياسين في قول بعضهم: إن المميز المنصوب بمعنى مِنْ ، وهي غير مقدرة في الكلام:"هو في غاية الإشكال لاقتضائه بناء التمييز ، لكونه متضمنًا لمعنى الحرف" (2) وتخلَّص من ذلك الإشكال ابن حمدون (3) باختيار لفظ التقدير على القول بالتضمن.
رابعها: أيستقيم تقدير المميزات كلِّها بمن ؟
تقدم قول عبد القاهر أن جميع ما يكون مميزًا ، فإن من تدخل عليه (4) ، لكنَّ كثيرًا من النحويين (5) يستثنون مسائل لا يستقيم فيها تقدير من مع المميز ، وهي:
(1) ينظر: المنهاج: 116.
(2) حاشية ياسين على الألفية: 1/327.
(3) ينظر: حاشية ابن حمدون: 45.
(4) ينظر: المقتصد: 2/726 - 727.
(5) ينظر: المقتضب: 3/67 ، وشرح الجمل لابن عصفور: 2/290 ، والمقرب: 230 - 232 ، وشرح الكافية الشافية: 2/773 ، وارتشاف الضرب: 2/23 ، ومغني اللبيب: 732 ، والمساعد: 2/61 ، وشرح الأشموني: 2/198 - 199 ، وشرح التصريح: 1/398 - 399 ، وهمع الهوامع: 2/265 ، والتأويل النحوي: 1/724.