والملاحظ أن سيبويه لم يصرح بالظرفية في حديثه السابق ، إذ لا دلالة في ( حقًّا ) ونظائرها على الزمان ، وغاية ما فيه تشبيهُه هذا التركيب بقولك: غدًا الرحيلُ ، ويومَ الجمعة أنك ذاهبٌ ، ولا يكفي ذلك في صحة نسبة الظرفية إلى سيبويه إذ إنه شبهها أيضًا بنحو لا محالة أنك ذاهب ، فالمقصود إنما هو بيان بناء ( أنَّ ) على ما قبلها فتُفتَح همزتُها .
ولما لم يكن وجه الظرفية في ( حقا ) ظاهرًا قال أبو حيان:"ومما انتصب على تقديرِ أنه ظرف زمان قولُ العرب: أحقًا أنك قائمٌ ... وإن لم يكن ظرفَ زمان حقيقةً" (1) لذلك أطلق ابن هشام على الظرفية في ( حقًّا ) الظرفية المجازية (2) .
ووجَّه بعضُهم (3) الظرفية في ( حقًّا ) بتقدير مضاف هو الزمن أو الوقت فيكون التقدير: أفي زمن حقٍّ أنك ذاهبٌ ، ثم حذف المضاف ( زمن ) وأقيم المضاف إليه مقامه كما قيل: سِيرَ عليه مقدمَ الحاج أي: وقت مقدم الحاج .
وخيرٌ من هذا وذاك ما عليه ظاهر كلام سيبويه أن ( حقًّا ) ونظائرَها منصوبةٌ على نزع حرف الجر ، وهو صريح اختيار الرضي وأستاذي عبد الله بابعير (4) ، يقول الرضي في قول الشاعر (5) :
أجدَّكما لا تقضيانِ كَراكُما ... خليليَّ هُبَّا طالما قد رقدتُما
(1) ارتشاف الضرب: 2/225 .
(2) ينظر: تخليص الشواهد: 352 .
(3) ينظر: النكت في تفسير كتاب سيبويه: 2/775 - 776 ، والبحر المحيط: 6/12.
(4) ينظر: شرح الكافية: 1/292 ، وظاهرة النيابة: 235 - 236.
(5) البيت لقس بن ساعدة ، أو لعيسى بن قدامة الأسدي في: الأغاني: 8/161 ، 163، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي: 2/875 ، وخزانة الأدب: 2/71 ، 76 ، ولأحدهما أو للحزين بن الحارث أو نصر بن غالب في خزانة الأدب: 2/77 ، وبلا نسبة في: شرح المفصل: 1/116 ، ولسان العرب ( جدد ) .