ويمكن أن يحمل على هذا الرأي قولُ الأخفش في قوله تعالى: { وآخرون اعترفوا بذنوبِهم خلطوا عملًا صالحًا وآخر َسيئًا } (1) :"فيجوز في العربية أن تكون ( بآخر ) كما تقول: استوى الماءُ والخشبةَ ، أي: بالخشبةِ ، وخلطت الماءَ واللبنَ ، أي: باللبنِ" (2) .
وهذا التوجيه غير مخدوم عند النحويين - على حد علمي - وذلك أنه لم يبيَّن هل نابت الواو هنا عن الباء على حد نيابة حروف المعاني بعضِها عن بعض - على ما ذهب إليه جماعة - أو أنها عوضٌ منها ؟ ولِمَ لمْ يطرد تقدير الباء في كل موضعٍ يكون فيه الاسمُ مفعولًا معه ، نحو: سرتُ والنيلَ ، ولو تُرِكَتِ الناقةُ وفصيلَها لرضعها ، وما صنعت وأباك ، إذ لا يقدر في ذلك إلا مع (3) ؟
وأما المذهب الثاني القائل بأن الواو قامت مقام مع ، وانتقل الإعراب إلى الاسم بعدها فانتصب على الظرفية ، فحكاه جماعة عن الأخفش (4) وإليه ذهب ابنُ جني وابن بابشاذ ، والشنتريني ( ت: 549هـ) والحيدرة (5) ، ونسبه أبو حيان إلى معظم الكوفيين (6) ، وضعفه الزبيدي ، ووصفه بأنه دعوى لا دليل عليها (7) ، وذلك لأن الأصل عدم النيابة فضلًا أن يكون النائبُ اسمًا والمنوبُ عنه حرفًا ، ثم إنه"لو كان الأمرُ كما قال هؤلاء لكان النصبُ في: كل رجلٍ وضيعتُه ، مطردًا ، وليس كذلك" (8) .
(1) التوبة: 102.
(2) معاني القرآن: 2/564 . وينظر: جامع البيان: 14/446 - 447.
(3) ينظر: كتاب سيبويه: 1/297 - 298 ، وشرح عيون الإعراب: 185.
(4) ينظر: الإنصاف: 1/228 ، والتبيين: 379 ، 381 ، وشرح المفصل: 2/49 ، 8 ، 9، والمباحث الخفية: 1/587 ، والجني الداني: 156 ، وائتلاف النصرة: 36 ، وشرح التصريح: 1/344 .
(5) ينظر: اللمع: 115 ، وشرح المقدمة المحسبة: 2/309 ، وتلقيح الألباب: 76 ، وكشف المشكل: 1/447 .
(6) ينظر: ارتشاف الضرب: 2/285 ، وحاشية الصبان: 2/136 .
(7) ينظر: ائتلاف النصرة: 36 .
(8) حاشية الصبان: 2/136.